‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
الثلاثاء، 5 نوفمبر 2013

مصر بين الفرص والتحديات


ما زالت مصر منذ ثلاث سنوات تقريبا تقف محلك سر فى مفترق طرق عديدة دون أن تسلك أحدها، صحيح أن هذه الطرق قد اختلفت اتجاهاتها ومقاصدها من فترة إلى أخرى، ولكن الحكومات المتعاقبة فى هذه السنوات الماضية لم تحسم أبدا أمرها بشكل قاطع فى اتخاذ القرار اللازم فى أى من الأمور المترتبة على سلك طريق بعينه أو تبنى توجه محدد، وإنما تركت نفسها دائما للظروف وحسب مجريات الأمور، وسارت مع اتجاه الريح راضخة للضغوط المحلية منها أو الإقليمية مع عينها فى ذات الوقت على ردود الفعل الدولية. وهذا لم ينطبق على القضايا السياسية فحسب وإنما انسحب تأثيره أيضا إلى القضايا الاقتصادية، ناهيك بتلك الاجتماعية المرتبطة بواقع الأمر بكليهما وبالتالى لم يكن لتلك الحكومات أو قراراتها طابع مميز أو «كتيب إرشادات» يمكن على أساسهما تقييمها أو تصنيف سياساتها سلبا أو إيجابا بالنظر إلى أهدافها المعلنه، وترتب على ذلك وقوفها جميعا فى المنطقة الرمادية بلا لون أو طعم مميز، فهى جميعا حملت العناوين المرسلة التى تعلن أن أهدافها هى «تحقيق أهداف الثورة» دون أن تخبرنا كيف ستترجم ذلك إلى واقع فعلى بتفاصيل وأرقام والتزامات وخطط شفافة ومعلنة وجداول زمنية واقعية، وبالتالى فأغلب ما حصلنا عليه فى سنوات ثلاث هو جعجعة حول نبل الأهداف بلا طحن متمثل فى النتائج على أرض واقع المواطن المصرى المكافح.
والآن وللمرة الألف تقف مصر عند مفترق طرق جديد، فماذا يخبئ لها وما عقباته وفرصه المتاحة؟ أعتقد أننا جميعا نعرف الآن ما العقبات والتحديات الأكثر إلحاحا وخطورة، والتى تتمثل فى الوضع الاقتصادى الذى ينذر بعواقب خطيرة إذا لم يتم حلها سريعا فإنها ستؤثر سلبا على حياة كل منا، وبطبيعة الحال فإن هذه المشكلة الاقتصادية تتأثر بدورها سلبا بما تشهده البلاد من اضطرابات وقلاقل تثيرها دون هوادة جماعة الإخوان ومؤيدوها منذ 30 يونيو وحتى الآن بصورة منتظمة، مهددين بذلك الحالة الأمنية فى الشارع المصرى والتى تؤثر بعمق على تدفق الاستثمارات وازدهار السياحة، وهى قضايا حيوية لخلق فرص العمل وتحسن الاقتصاد. والأكثر من ذلك فإنه بسبب هذه الممارسات السلبية فإن جهود المصالحة التى يدعو إليها البعض أصبحت تواجه فى حدها الأدنى توجسا، وفى حدها الأقصى رفضا شعبيا متزايدا بسبب الصورة الذهنية السائدة لدى الرأى العام المصرى حاليا بشأن تبنى الجماعة المذكورة لنهج العنف والترويع فى مواجهة المصريين، وبالتالى فإن ذلك الطريق يبدو قابلا أكثر وأكثر للانسداد فى هذه اللحظة التاريخية الفاصلة، خصوصا أن الجماعة تبدو غير راغبة فى التراجع عن منهجها الذى تعتقد أنه يمثل ورقة ضغط للمساومة بشأن مكاسب سياسية أو سلطوية فى مواجهة الدولة مع اختيارها أن تتجاهل الأثر السلبى المدمر لهذا المنهج على فرص التقبل المجتمعى لدورها السياسى فى أى لحظة مستقبلية، ويرتبط بذلك التحدى الأخير تحدٍّ إضافى وهو نجاح مصر فى الحفاظ على علاقاتها الخارجية الداعمة لخطواتها المستقبلية وتنميتها الاقتصادية.
هذه هى أهم التحديات فماذا عن الفرص؟ أعتقد أن لدى مصر حاليا الكثير من الفرص السانحة التى إذا أحسن استثمارها فسنضع أقدامنا على الطريق الصحيح بعد طول انتظار، وأولاها تنفيذ خطوات الإصلاح الديمقراطى ذات الأولوية القصوى، حيث نكتب بالفعل دستورنا الجديد المعقود عليه الأمل فى تأطير الصورة المدنية الحديثة لهذه الدولة العريقة لتليه بعد ذلك خطوات الاستحقاق السياسى المختلفة من انتخابات وغيرها، مما سينعكس دون شك على مزيد من الاستقرار السياسى والمناخ الإيجابى لأداء الأعمال فى مصر وخلق فرص جديدة للعمل بها. وثانيتها إتاحة الفرصة للكوادر الشابة المؤهلة لتولى مسؤوليات حقيقية وفاعلة فى ضوء الدروس المستفادة خلال السنوات الثلاث الماضية مما سيفتح الباب على مصراعيه لأفكار جديدة ومداخل إبداعية لحل المشكلات المزمنة التى ندور فى فلكها دون أمل فى الفكاك من أثقالها منذ سنوات، فهذا حقا هو وقت تحويل الأفكار إلى فرص، وثالثتها فرصة العمل الجاد والسريع والدؤوب نحو استعادة الدور الريادى لمصر فى عالمها العربى والذى بدت بشائره واضحة فى الزخم المتزايد لدعم مصر فى مسيرتها السياسية الجديدة وتبنى مواقفها الإقليمية والدولية الهادفة للحفاظ على المصالح المصرية والعربية فى هذه اللحظة المحورية التى تشهد تصفية الحسابات الدولية فى هذه المنطقة على أرضيات عرقية ومذهبية تهدف إلى إعادة رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط بما يخدم الأجندات الأجنبية، وفى هذا الخصوص فمن الأكثر تأهلا واستعدادا من مصر لمواجهة تلك المخططات والانتصار للمصالح الإقليمية مدعومة بظهيرها العربى؟ سيداتى سادتى هذه لحظة سانحة ليتحقق فى مصر ما كنا ننادى به دائما فهل نتكاتف لتحقيق ذلك؟ وهل تترك مصر هذه المرة الحيرة والتردد فى مفترق الطرق وتكون لديها شجاعة اختيار الطريق الصحيح؟
الأربعاء، 26 يونيو 2013

ثروت الخرباوى يكتب : مرسى يؤم الرسول في الصلاة: تكبير




فى زمن الإمام الشافعى كان هناك رجل يدعى يونس بن الأعلى، وكان يونس هذا من تلاميذ إمام مصر وفقيهها الليث بن سعد، وعندما حط الشافعى رحاله فى مصر وأخذ يتعرف على رجالها وأحوالها ومرابعها ومغانيها أخذ يمعن الفكر فى فقهه، هل هذه البلاد ـ أى مصر ـ يصلح لها الفقه أو الفهم الذى استقر عليه فى الحجاز؟
ثم أخذ يمعن النظر ويقلب الأفكار ذات اليمين وذات اليسار، وكلما ازداد معرفة بالواقع الجديد الذى رآه واقترب منه ابتعد عن فقهه الأول، وبينا هو على حال من التفكير والتدبر فى شخصية الإنسان المصرى وولعه بالتدين، وتدفق عاطفته الدينية، وانبهاره بالعلماء والأولياء، جاء له صديقنا يونس بن الأعلى ـ الذى ذكرت اسمه بالأعلى ـ وقال له: يا إمام، طيب الله مقامك بيننا، سمعتُ فقيهنا الليث بن سعد ذات يوم وهو يقول: «لو رأيتم الرجل يمشى على الماء فلا تغتروا به، حتى تنظروا مدى اتباعه للكتاب والسنة» كان قول الليث هذا الذى نقله يونس للشافعى بمثابة رسالة للإنسان بأن ينظر للحقيقة لا للطريقة، وأن يقف على الأفعال لا الأقوال، وألا تخدعه المظاهر عن الجواهر، ولأن الشافعى كان فقيها ثاقب الرؤية وهبه الله بصيرة فقد رد على يونس بن الأعلى قائلا: لقد قَصَّرَ الليث ـ أى قال أقل مما يجب أن يُقال ـ سبحان الله يا شافعى يا فقيه الأمة، لماذا تظن أن الليث قصَّرَ؟
أكمل الشافعى ليبين وجهة نظره فقال: ليس المشى على الماء فقط، بل لو صار الأمر أعظم من ذلك ورأيتم الرجل يمشى على الماء ويطير فى الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة.
لذلك فإن الله سبحانه أمرنا أن نراقب أفعال الناس، خاصة من يظهرون علينا بمظهر علماء الدين أو الأولياء الصالحين، أو أولئك الذين يقدمون أنفسهم لحكم الأمة وتولى أمر قيادتها، وكل مسوغات رجلهم الذى رأسوه هو أنه كما يقولون: يصلى ويقرأ القرآن!
 والله لو كان ذلك كذلك وكان الرئيس صالحا وجاهلا لصار صلاحه له، وصار جهله علينا، ثم من بعد سيأخذ نصيبه من الآثام لأنه ولى أمر الأمة وهو لا يفقه فى إدارة شؤونها شيئا.
ولكننى يشق على أن أرى نوعا من البشر ينتسبون إلى بلادنا ويتحدثون بألسنتنا ولكنهم ليسوا منا، يتيهون فى الخيال المريض ويصدقون أكاذيبهم، وهكذا هم أصحاب العقول الفارغة، والقلوب المريضة، فإذا تطرق إلى قلبهم الخوف وفقدان الثقة اخترعوا ما شاءوا من الترهات حتى يضحكوا على عوامهم الذين ضيعوا عقولهم، وفى الأيام الفائتة خرجت علينا جماعة الإخوان بفرية كاذبة لا تخرج إلا من قلب مريض، يستغل الدين لتحقيق أبشع الأشياء، امرأة إخوانية قالت لأحد أشياخهم المشهورين: رأيت فى المنام أننى فى مكان فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيه الأخ محمد مرسى، ونودى للصلاة فنظرنا للرسول صلى الله عليه وسلم ليتقدم للإمامة ولكنه رفض وقدم مرسى!! تهليل وتكبير، مرسى ابن الحاج العياط سيؤم الصلاة، ليس فقط سيؤم الصلاة بل سيؤم الرسول، وكأن الرسول والمسلمين يقدمونه للإمامة يقول لهم: لأ، ودى تيجى، أؤمكم للصلاة ومرسى موجود، تفضل يا مرسى.
والله لو رأينا الأخ محمد مرسى يصلى بالأنبياء ويعرج إلى السماوات ويطير فى الهواء ويمشى على الماء فلن نشهد له بالصلاح، إلا إذا نظرنا إلى فعله، هل كان متفقا مع القرآن والسنة، أم أنه وعد فأخلف وحدث فكذب واؤتمن فخان، أرأيتموه وهو يوسد الأمر إلى غير أهله فيكون بذلك قد خان الله ورسوله، إذا كان كذلك فلا تعنينا صلاته ولا صيامه ولا قيامه ولا طيرانه ولا مشيه على الماء ولا جلوسه فوق القمر، وليذهب إلى تقديسه أولئك المخابيل الذين فتنوا أنفسهم وافتتنوا حين سلموا عقولهم لغيرهم، ولكن فليقدسوه بعيدا عنا، فى أى مكان بعيدا عن قصر الرئاسة، ولهم أن يعتقدوا فيه وفى قياداتهم ما يعتقدون من الصلاح والتقوى والعمل لرفع راية الإسلام، هم وشأنهم، إذ ماذا نفعل لهم وقد سلب الله منهم عقولهم.
الجمعة، 21 يونيو 2013

دين العقل وأزمة مسلمى اليوم




بقلم شعبان البدحى

أحبتى فى الله وفى الاسلام وفى الوطن وفى الانسانية ،إن دين الاسلام هو دين العقل والحجة وهذا أكبر الاسباب التى جعلته يعيش رغم كل هذه المئات من السنين ولم يرتبط بأشخاص فاذا اساؤوا ضاع الاسلام واذا اجادوا ازدهر الاسلام ..هذا لم يكن ابدا فى عصر من عصور الاسلام فبقاء الاسلام كنتيجة طبيعية لقوة حجته وعالميته و ترجع فى الاساس الى الاسلام ذاته والقيم والافكار والمبادئ الاساسية التى نادى بها وخاطبت كل جوارح الانسان وخصت منها العقل، ولو راجعت ايات الدعوة الى التدبر والتعقل فى الكتاب الخالد القرأن الكريم ستجدها كثيره جدا ،وخاطبت كل طموحاته ولم تضع سقفا للاختراعات والابتكارات والمركبات ...فكان الاسلام شامخا حينما كان المسلمون فى صدره روادا وأقوياءا وعظماءا لا يؤثرون الدنيا بكل مباهجها حتى ولو ركعت تحت أقدامهم على الاخرة بكل غيبياتها لكنهم استندوا الى العقل والمنطق والفطرة وعلقوا على قوة الفطرة امالا كثيرة ومتعددة وكانت مطيتهم للوصول الى الايمان وغاياته ...ومازال الاسلام شامخا صاحب الراية العالية والحجج الدامغة بين كل المعتقدات الدينية التى تنتشر فى العالم رغم تدنى المسلمين ودولهم وشعوبهم الى أدنى مستوى وتخلفهم الشديد وضعفهم المرير وهوانهم على أنفسهم وعلى الشعوب المتحضرة ... 
تعالوا لنسرد أهم سلبياتنا التى تتعلق بمفهوم الدين الان :
1- لاتوجد فى الاسلام جماعات من أى نوع أولها السلفيين ولا الاخوان ولا الشيعة ولا التبليغين ولا الجماعة الاسلامية ولاو ولا وهؤلاء لابد وان يراجعوا حديث بضعة وسبعين شعبة جيدا ..لأن الاسلام أمة واحدة وليس جماعات وفرق سوف تتناحر ولا شك ان لم يكن فى هذه الايام فلابد وأن ياتى يوم تتناحر فيه لأن كل جماعة هى فى الاصل تعتبر الدين حكرا لها وعليها وتعتقد ان الدين لم تفهمه جماعة اخرى غيرها وتطعن فى فهم الجماعة الاخرى وكأن الله لم يهدى سواها ... 
2- أن امة الاسلام التى تنقسم الى شعوب وحكام هى مغيبة الوعى وأن المسلمين لا هدف لهم واحبوا الدنيا أكثر من الاخرة ولا يوجد مشروعا حقيقيا للم شمل الشعوب على حكامها ولا لم شمل الدول مع بعضها كالاتحاد الاوروبى مثلا ...
3- أن دولة العلم والعقل والمنطق لا تعرف طريقا فى بيئاتنا على الاطلاق وأن تثعلب المتثعلبون بتشدقهم واقتناعهم بفكرة العلم والتكنولوجيا فهذا زيف فهم لا يولون اهتماماهم الا للعلم الشرعى الذى يعتبرونه الاهم والانفع وكأننا جميعا كمسلمين لابد وأن نكون علماءا وفقهاءا ومحدثين ...
4- بنيت فكرة الجماعات الاسلامية فى القرن التاسع عشر وبنيت فى الاساس وانطلقت من فكرة تجهيل المجتمع وان الناس شابها الكفر والفسوق والالحاد لذلك كانت هذه الافكار والهواجس اسس قيام مثل هذه الجماعات وبئرا لا ينضب لبقاء هذه الجماعات ومادة لا تنفد عناصرها لانهم كلما نظروا فى المجتمع ونظروا الناس يعصون الله ظنوا أن المجتمعات هالكة لامحالة لذلك تشبثوا أكثر بالضلال وفكرة الجماعة والفرقة ...
5- نأتى للحقيقة الخامسة وهى التناقض الذى يظهر فى صفوف الخطباء والعلماء والواعظين باسم الدين
6- ضياع مفهوم الاولويات بمعناه الشامل وتعدد الفكر المنفصل فمثلا فى اوروبا او امريكا هناك نوع من الافكار المتصلة ببعضها البعض يمكن أن يطرحها عالم من العلماء فى مجال معين ويكون من الشرق ثم يقوم عالم احر ليكمل ويصل هذه الفكرة مع فكرة اخرى ويكون من غرب هذه البلد او فكرة التواصل والتخاطر وهذه ربما اجد لها اتصالا مؤكدا بحركة النهضة والتحضر والتقدم .
السبت، 8 يونيو 2013

خالد داوود يكتب : نذيع ولاّ مانذيعش؟

''جبهة الإنقاذ'': قرار الدعوة للانتخابات متسرع وسيزيد تعقد الموقف

«الحلقة اتسجّلت، نذيع ولّا مانذيعش؟»، كل مَن عاصروا ظهور برنامج «الكاميرا الخفية» قبل أعوام يتذكرون هذه الجملة جيدًا، وكيف كانت تأتى فى نهاية الحلقة بعد مقلب سخيف جدًّا يكون معدو الحلقة قد أعدّوا له بإتقان، وسقط ضحية له مواطن أو مواطنة حظّهما عاثر. لكن المشاركين فى الجلسة الكوميدية الرئاسية المذرية السوداوية، لمناقشة الخطر الحقيقى جدًّا المتمثّل فى إقامة إثيوبيا لسد على نهر النيل الأزرق دون تنسيق أو اتفاق مع مصر، تم حرمانهم حتى من هذا الحق، وتمت إذاعة الحلقة كاملة، بينما رئيسنا يبتسم. ولذلك جاءت الفضيحة بجلاجل وشاهدها القاصى والدانى، ولنبكى على أحوالنا من الضحك.
إذا قامت إثيوبيا ببناء عشرة سدود الآن بدلًا من سد واحد، فلن يلومها أحد، بل ستجد دعمًا وتأييدًا من كل الدول الإفريقية السوداء، وربما دول العالم بأكمله. وإذا قامت منظمة الوحدة الإفريقية بإصدار بيان تقريع وتحذير لمصر من أن عضويتها قد تُجمّد فى المنظمة التى أسهمت فى إنشائها فى الستينيات بنفسها، لأن أكبر مؤسساتها الحاكمة تسامحت وتساهلت مع خطاب عنصرى بغيض فى حق أبناء القارة فى حضور رئيس الجمهورية، لما استغرب أحد.
فقط فى مصر يمكن أن تمر هذه الحادثة بسهولة، وعادى وكأنه ماحصلش حاجة خالص. هى مجرد حلقة فى مسلسل طويل من الفشل، وقل يا باسط. مضى نحو أسبوع منذ هذه الواقعة التى أشك أنها حدثت فى أى دولة أخرى فى العالم، ورئيسنا محمد الثالث لم يتقدّم بعد بأى اعتذار رسمى لجيراننا فى إثيوبيا والسودان، ولأبناء القارة الإفريقية عمومًا، بنفسه وعلى لسانه وبشكل قاطع وبكل وضوح ومن دون مبررات.
ولكن لم يكن من المتوقع غير ذلك من الرئيس الذى استمع إلى هذا الكم الهائل من قمامة الكلام، بينما لم يرتعد أو ينتفض أو يزجر بعض المتحدثين عندما تحدثوا بكل عنصرية عن شعوب دول قارة ننتمى إليها، ونشرب من الماء الذى ينبع من عمقها بالشراكة مع تسع دول أخرى. هو فقط انبسط وابتسم وتهللت سريرته عندما داعبه وناغشه وتغزّل بذكائه وخبرته السيد أيمن نور رئيس حزب غد الثورة، عندما قال إنه يشعر بالاطمئنان الآن لأن مصر لديها رئيس مهندس.. بركاتك كترت يا باشمهندس.
أى دليل آخر نحتاج على أننا نتعامل مع مؤسسة رئاسة فاشلة وحكومة فاشلة لا تخشى على هذا الوطن وغير قادرة على إدارة شؤونه؟ كم مصيبة نحتاج؟ لم نَفِق بعد من مهزلة جنود الوطن الذين تم اختطافهم وإذلالهم فى سيناء، وما زلنا لا نعرف حتى الآن مَن الذى خطفهم، وهل تمكّنوا من الهروب عبر الأنفاق إلى غزة؟ الشىء الوحيد الذى نعرفه أن الشرطة اعتقلت شخصًا واحدًا تتهمه بتحميل الفيديو الذى ظهر فيه الجنود يناشدون مرسى ووزير الدفاع التدخل للإفراج عنهم بطريقة «الحقنا يا ريس».
لا أريد أن أخوض فى التكهنات الخاصة بإذا ما كانت إذاعة حلقة الكوميديا الرئاسية الخاصة بإثيوبيا متعمدًا، أم مجرد خطأ افترضت السيدة باكينام الشرقاوى أنه يمكن تصحيحه ببساطة عبر تغريدة فى صفحتها على موقع «تويتر». فهذه السيدة لم يكن لها أن تبقى فى منصبها لدقائق من الأساس لو كانت لدينا مؤسسة رئاسة بالمعنى الحقيقى للكلمة. ولكن الحادثة أكدت ما كان يردده كثيرون من أن مَن يقبعون فى الرئاسة الآن من أعضاء مكتب الإرشاد ومَن يسمون أنفسهم بخبراء الإخوان، هم محدثو نعمة ولا يعرفون ما معنى دولة، أو مصالح شعب بكل تأكيد.
ولذلك لا نستطيع الصبر على هذا الفشل، ولن نسمح لمصر أن يحكمها «هواة». نعم هواة. كانت هذه هى الكلمة التى استخدمها السيد جهاد الحداد المتحدث باسم جماعة الإخوان المسلمين فى لقاء جمعنى معه مؤخرًا مع مجموعة من الصحفيين الإيطاليين. كان السيد الحداد يحاول تبرير الفشل الواضح لجماعة الإخوان ومكتب الإرشاد فى إدارة شؤون البلاد، واستخدم بالطبع كل الحجج المتعارف عليها، وبعضها حقيقى، حول الإرث الثقيل من ديكتاتورية مبارك، وحجم المشكلات الضخم، ولكنه فى النهاية طلب من الطليان والعالم الخارجى المساعدة «لأننا جميعًا فى مصر ما بعد الثورة ما زلنا هواة».
هم هواة ولديهم مشروعهم الخاص الذى يرون أنه أوسع من الوطن ويشمل الأمة الإسلامية بأكملها. ولكن غيرهم ليس كذلك، ويحب هذا الوطن ويخاف عليه ويرى فى رفعته وتحقيق مصالح شعبه المباشرة من تحسين للتعليم والصحة والسكن «أهداف ثورة يناير عيش حرية عدالة اجتماعية» خطوة أولى نحو النهضة التى ستسمح لنا باستعادة دورنا الإقليمى والإفريقى. والأسوأ أن يسعى السيد الحداد لطلب مساعدة الخارج فى إدارة شؤون البلاد بينما يصرّون على استبعاد أبناء وطنهم لأنهم لم يقسموا بالولاء والسمع والطاعة للمرشد العام، ولأن الإخوان يريدون إدارة مصر منفردين رغم فشلهم البادى ونقص خبرتهم، إن لم يكن انعدامها.
كل المؤشرات تقودنا نحو الثلاثين من يونيو، ويجب أن نكون شديدى الوضوح فى تحديد الهدف. نريد انتخابات رئاسية مبكرة، لأن الوطن لم يعد يحتمل اللعب به وبمصالح شعبه من قبل هواة لثلاث سنوات قادمة.. تمرد.

ثروت الخرباوى يواصل «أئمة الشر»: البنا.. إمام الإخوان «المعصوم » ! «12»




تقديس البنا عند الإخوان يماثل قداسة الأئمة الاثنى عشر عند الشيعة
على موقع «إخوان أون لاين» ستجد ركن «الربانية فى مذكرات حسن البنا».. وستقرأ عشرات القصص «اللاهوتية» عن القديس البنا كأنه «نصف إله ونصف بشر»
رسائل البنا أخذت جهدًا كبيرًا وواسعًا فى الشرح من كل مفكرى الجماعة حتى وصل عدد المؤلفات بشأنها إلى ما يزيد على مئتى مؤلَّف.. كأن هذه الرسائل دين جديد حل محل دين الإسلام
وضع البنا نفسه فى مصاف النبى صلى الله عليه وسلم.. فما دام إسلام المرء لا يتم إلا بإيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم فإن إيمان الإخوانى لا يتم إلا إذا آمن بحسن البنا
«سلسبيل عين فى الجنة واحنا اشتقنا لحسن البنا»، كان هذا هو الهتاف الذى أطلقه خيرت الشاطر الإخوانى العتيد عقب خروجه وسط حرَّاسه من مبنى نيابة أمن الدولة عام 1992 عقب أن أصدرت النيابة قرارًا بحبسه احتياطيًّا على ذمة التحقيق فى قضية سلسبيل، وحين أطلق الشاطر هتافه تجمع حوله عشرات من شباب الإخوان الذين كانوا يقفون أمام مبنى النيابة، وانضموا إليه فى هتافه بحماس كبير.. وعن بعد وقف عشرات من جمهور المصريين العاديين، وهم يرقبون هذا المشهد الغريب.. مجموعة تنتمى إلى فصيل إسلامى تهتف بشعارات تعبر فيها عن شوقها لـ«حسن البنا»! لم تسمع هذه الجماهير، وأظنها لن تسمع أى هتاف يُعبِّر فيه الشاطر وإخوانه عن شوقه وشوقهم للرسول صلى الله عليه وسلم! أيشتاقون إلى رسولنا ولديهم رسولهم! كان حسن البنا هو إمامهم المعصوم، نفس المعصومية والقداسة التى عند الشيعة بالنسبة إلى الأئمة الإثنى عشر.
يخرج الإخوانى الكبير عباس السيسى من محبسه فى بدايات السبعينيات من القرن الماضى فيؤسس دار نشر بالإسكندرية وينشر من خلالها عشرات الكتب عن حسن البنا أهمها «حسن البنا مواقف فى الدعوة والتربية»، و«فى قافلة الإخوان المسلمين»، إلا أنه لم يكتب فى حياته، إلى أن توفاه الله، أى كتاب عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عن سيرته!
يصفون فى الإخوان الحاج جمعة أمين بأنه أحد أهم مفكرى الجماعة، ذلك أنه كتب العديد من الكتب التى يصنفها البعض على أنها إسلامية مثل كتاب «شرح الأصول العشرين»، أو كتابه عن تاريخ جماعة الإخوان، إلا أن أحدهم لم تقع عينه على كتاب لجمعة أمين يشرح فيها أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، أو على الأقل يضع خواطره الإيمانية حول «الأربعين النووية»، فقد شغلته عشرون حسن البنا عن أربعين الرسول صلى الله عليه وسلم! كما لم يكتب عن سيرة النبى صلوات الله عليه ولا عن تاريخ الصحابة فقد هام حبًا بالبنا وتاريخه وانشغل به عن ما سواه!
أما عمر التلمسانى مجدد الإخوان فلم يكتب إلا مذكراته فى الإخوان ورؤيته السياسية لحكم عبد الناصر، وكتب أيضا كتابا اسمه «حسن البنا الملهم الموهوب»، ولم يسطر كلمة فى كتاب عن حب الرسول وسيرته.
محمود عبد الحليم مؤرخ الإخوان الكبير وضع سيرة النبى خلف ظهره ذلك أنه لم يكتب إلا عن حسن البنا وتاريخه، بل إن الدكتور يوسف القرضاوى كتب فى الفقه كثيرًا، وشرح رسائل البنا، وأركان البيعة، ولم يكتب كتابًا واحدًا عن فقه السيرة النبوية مع أهمية الأمر.
وقد يلحظ أى مهتم بالإخوان أن رسائل حسن البنا أخذت جهدًا كبيرًا وواسعًا فى الشرح من كل مفكرى الجماعة حتى وصل عدد المؤلفات بشأنها إلى ما يزيد على مئتى مؤلف، وكأن هذه الرسائل هى دين جديد حل محل دين الإسلام.. اقرأ شرحها فى كتب سعيد حوى، والقرضاوى، ومحمد بديع المرشد الحالى للإخوان، وعبد الكريم زيدان وغيرهم، وبعد أن تقرأ شروح هذه الرسائل تمهل فإنك حتمًا ستجد أن الجماعة تتقدم خطوة خطوة نحو تقديس حسن البنا الذى تحوّل إلى داعية ربانى لا يتصور وقوعه فى الخطأ أو الزلل.. وعلى يد موقع «إخوان أون لاين» ستجد ركن «الربانية فى مذكرات حسن البنا»، وستقرأ عشرات القصص «اللاهوتية» عن القديس البنا، وكأنه نصف إله ونصف بشر.. ذلك الرجل المعجزة الذى تجرى المعجزات والخوارق على يديه حتى إن ابنه أحمد سيف الإسلام خرج علينا فى حوار له بشأن «قصة حياة البنا»، وإخراجها فى عمل فنى بأن: حسن البنا لم يقع فى خطأ واحد فى حياته، وأنه كان ملهمًا من قبل الله سبحانه وتعالى!
كيف تسربت هذه الأفكار إلى كيان جماعة الإخوان، وهل كانت جزءًا أصيلًا من أفكارهم أم أنها كانت دخيلة عليهم؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل يجوز لأحد أن يضع بشرًا فى مكانة عليّة تصل إلى مكانة المصطفى صلوات الله عليه؟ هل يكتمل إيمان مسلم يحب أحدا قدر حبه للرسول؟ الإجابة أيضا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذى أورده البخارى من حديث عبد الله بن هشام أن عمر بن الخطاب قال للنبى صلى الله عليه وسلم «لأنت يا رسول الله أحب إلىّ من كل شىء إلا من نفسى»، فقال: لا والذى نفسى بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنك الآن والله أحب إلىّ من نفسى. فقال: الآن يا عمر «أى الآن اكتمل إيمانك، وقال القاضى عياض إن ذلك شرط فى صحة الإيمان.. فإذا كان حب النفس أكثر من حب الرسول يقدح فى تمام الإيمان مع أن حب الإنسان لنفسه طبع وفطره فما بالك إذا ساوينا آخر مع الرسول صلى الله عليه وسلم فى المحبة والاتباع؟!
وقد بات هذا التقديس ظاهرا للكل، ويدل على خلل فى مشاعر «جماعة الإخوان» الإيمانية، ولا أظننا سنجد كاتبًا إخوانيًّا يستعرض فكرة إسلامية إلا وقال: قال البنا.. قبل أن يقول.. قال الرسول!.. ولن تسمع خاطرة إيمانية من إخوانى قديم إلا وجدته يذكر قصة للبنا يستدعى من خلالها دموع السامعين، وكأن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تصلح للاستدلال بها، فجاء حسن البنا ليسد النقص فيها! حاشا لله.
لا شك أن شخصية حسن البنا كانت مؤثرة فى أتباعه، فمعظمهم كان قليل الثقافة والفكر، كانوا صغارًا وكان أعلى منهم همة وقدرة وجاذبية، ففتنوا به واعتبروه الإمام المهدى أو أعلى درجة، وهو فوق ذلك صنع لنفسه فى أذهانهم صورة ملائكية، فقد صور نفسه كإمام تجرى الخوارق على يديه، ففى كتابه مذكرات الدعوة والداعية يقول عن أمر شق عليه عندما كان طالبًا، ذلك أن امتحانه فى معهده كان على وشك الانعقاد، وهو لم يتم مذاكرته بعد فحدث كما يقول (وإن من فضل الله تبارك وتعالى أنه يطمئن ويسكن نفوس عباده وإذا أراد أمرًا هيأ له الأسباب فلا زلت أذكر أن ليلة امتحان النحو والصرف رأيت فى ما يرى النائم: أننى أركب زورقًا لطيفًا مع بعض العلماء الفضلاء الأجلاء يسير بنا الهوينا فى نسيم ورخاء على صفحة النيل الجميلة، فتقدم أحد هؤلاء الفضلاء، وكان فى زى علماء الصعيد، وقال لى: أين شرح الألفية لابن عقيل؟ فقلت: ها هو ذا، فقال: تعالى نراجع فيه بعض الموضوعات، هات صفحة كذا، وصفحة كذا، لصفحات عينها، وأخذت أراجع موضوعاتها حتى استيقظت منشرحًا مسرورًا، وفى الصباح جاء الكثير من الأسئلة حول هذه الموضوعات فكان ذلك تيسيرًا من الله تبارك وتعالى)، ونجح حسن البنا فى الامتحان، وتفوق فيه بسبب أن الله أرسل له فى المنام من يذاكر له الدرس الذى لم يقرأه، لم يرسل الله له رجلًا عاديًّا، لكن أرسل له بعض العلماء الفضلاء الأجلاء! فكان الدرس الخصوصى، وكان النجاح، وكأن هؤلاء العلماء الذين جاؤوا له فى المنام هم من وضعوا الامتحان!
كان إحساس البنا بإماميته للأمة ظاهرًا حين أطلق على نفسه لقب «الإمام»، حينما كان لا يزال فى بدايات شبابه، لكنه أيضا حينما آمن بهذه الإماميه قام بتوريثها لأتباعه، فيقول الأستاذ محمود عساف سكرتير حسن البنا فى مذكراته ناقلًا كلمات قالها له البنا (انظر يا محمود إن الإيمان بالإسلام يقوم على شهادتين: لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ولا تصلح الشهادة الأولى وحدها ليصير الشخص مسلمًا ذلك لأن النبى صلى الله عليه وسلم يتجسد الإسلام فى شخصه، وبالتالى يجب أن يكون الإيمان بالفكرة وصاحبها معًا فلسنا جمعية ولا تشكيلًا اجتماعيًّا، لكن نحن دعوة فلا بد من الإيمان بها والسير على نهج داعيتها والعمل على تطبيق أفكاره).
وضع حسن البنا نفسه فى مصاف النبى صلى الله عليه وسلم، فلطالما أن إسلام المرء لا يتم إلا بإيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم، فإن إيمان الإخوانى لا يتم إلا إذا آمن بحسن البنا، وضع البنا نفسه فى مقام النبى، ووضع كلمة الدعوة فى مقام الإسلام، وعلى هذا الأمر سار الإخوان، فهم يقولون دائمًا عن حسن البنا إنه «صاحب الدعوة»، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم تنازل عنها للبنا، وسبحان الله! مرة يقول فريق من الشيعة إن «الدعوة كانت لعلى بن أبى طالب»، ومرة يقول الإخوان «إن البنا هو صاحب الدعوة»، وكأن هناك تنازعًا فى ملكية الدعوة!
ولأن البنا فى ضميره وضمير الإخوان هو صاحب الدعوة، لذلك يجب أن يكون فهمه للإسلام هو الفهم المعتمد الذى لا يجوز مناقشته أو الاختلاف فيه، وهذا هو ما أكد عليه البنا لأعضاء الجماعة، إذ أوضح لهم أن الإسلام لا يُفهم إلا فى حدود الأصول العشرين التى وضعها لهم، لا يجوز لهم أن يضيفوا لها أو أن يحذفوا منها، فإذا ما أرادوا فهم الإسلام فيجب أن يطرقوا باب البنا الذى معه مفاتح الفهم وحده، ولتأكيد هذا قال فى تفسير ركن «الفهم»، الذى هو أحد أركان البيعة:  إنما أريد بالفهم أن توقن بأن فكرتنا إسلامية صحيحة، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه فى حدود الأصول العشرين الموجزة كل الإيجاز).
وحينما وجد أن الجماعة ضمت بعض الشباب الذى يفكر ويناقش ويجادل أراد أن يخضعهم لطريقته وأسلوبه وفهمه هو وحده، ولِمَ لا وهو الإمام المهدى الذى أرسله الله ليجدد للأمة أمر دينها! هو الإمام الذى لديه كنوز من المعرفة الربانية كنزها لنفسه وأعطاها لأصحابه القطرة وراء الأخرى! لذلك قال فى أحد الأيام للشيخ الشاب الدكتور عبد العزيز كامل عندما وجده يفكر (أنا أعلم نوع تفكيرك وتمسكك بالسنة، وستأتى أيام وظروف قد نختلف فيها، وأود فى هذه الظروف أن تترك رأيك لرأيى، ألا تطمئن إلىّ).
وبذلك أغلق البنا على المسلمين أبواب الفهم، واحتكرها لنفسه، وما ذلك إلا لأنه «الإمام المهدى»، الذى طال انتظاره، والذى يصحح للناس أفهامهم الدينية ويجعلهم قالبًا واحدًا، أما أولئك الفقهاء الكبار الذين اجتهدوا ووضعوا قواعد ذهبية فى تنوع الأفهام وتعدد الصواب واختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان، فأولئك ليست الجماعة منهم فى شىء، إذ إنهم لا يعرفون إلا حسن البنا وحده، ولا يفهمون غير أفكاره، ولا يتقربون إلى الله بالدعاء إلا من خلال الأدعية التى جمعها البنا، وجعل منها أذكارًا للجماعة.
■ ■ ■
كان قتل حسن البنا نكبةً وقعت على رؤوس الإخوان، فبكوه وأسرفوا فى البكاء، ورثوه وأسرفوا فى الرثاء، فهذا هو الأستاذ عمر التلمسانى يقول بعد مقتل البنا (وكف القلب المعلق بالعرش عن النبض فى هذه الحياة لينبض فى مقعد صدق عند مليك مقتدر).
وبذلك يكون الإخوان قد دخلوا فى علم الله، وتألهوا على الله، وقطعوا بلا غيب الذى لا يعرفه إلا الله، لم يقل الأستاذ التلمسانى وهو يرثى شيخه كلمة تفيد بشرية أفهامنا وعدم معرفتنا بالغيب مثل «نحسبه فى مقعد صدق عند مليك مقتدر والله حسيبه»، لكنه قطع بمكانه ومكانته عند الله! ولِمَ لا أليس هو فى ضمائرهم الإمام المهدى.
وحين جمع الإخوان ما قيل عن حسن البنا من الإخوان الذين صاحبوه وضعوا ما قالوه فى كتاب يؤرخ لتقديسهم لشيخهم، وحين تقرأ كلام تلاميذ البنا عنه لا تجدهم يتحدثون عن واحد من بنى البشر، لكنهم يتحدثون عن نصف إله، فهذا مصطفى السباعى الذى كان مراقب الإخوان فى سوريا وقت وفاة حسن البنا، وظل فى موقعه هذا عدة سنوات بعدها، يقول عن حسن البنا: (فما هو إلا النور المرسل من السماء، ليكشف عن أهل الخلود ظلماتهم، ثم يظل فى السماء دائمًا وأبدًا، ولن يختلط بتراب الأرض، إلا كما تقع أشعة الشمس على أعلى القصور وأدناها).
الصورة التى رسمها مصطفى السباعى هنا لشيخه ومرشده حسن البنا هى الصورة الماثلة فى أذهان عموم الإخوان، حسن البنا عنده وعند باقى الإخوان ليس بشرًا عاديًّا يمشى مثلنا فى الأسواق، ويرد عليه ما يرد على باقى البشر من نقص وذلل وهوى وميل وخطأ، لكنه نور من السماء، نور خالص لا يختلط به زيغ، أنزله الله من السماء ليكشف الظلمات التى كانت تخيم على الأرض فيحيلها نورًا سرمديًّا، ومع ذلك فإن هذا النور لن يتنازل كما تنازلت الأنبياء من قبل! فيهبط على الأرض ليختلط بالناس هاديًّا لهم، ومنيرًا لهم حياتهم، لكنه سيظل فى السماء لا يتدنس بطين الأرض، يظل فى السماء مثل الشمس، بعيدا عن بنى البشر، فقط أشعته الذهبية هى التى ستصل إلينا، أما هو ففى السماء دائمًا وأبدًا، دائما وأبدا! يا سبحان الله، هل نملك إلا أن نتعجب من هذه العبارات الشركية، وهل لنا أن نسأل الإخوان: طالما أن نور حسن البنا أضاء القصور من أعلاها إلى أدناها، ألم يلحظ أحدهم أن نور البنا أضاء القبور أيضا؟! إذ لربما يكون مصطفى السباعى نسى أن نور البنا له امتداد سرمدى لا ينقطع، ولِمَ لا وهو الذى سيظل «دائما وأبدا» لا ينقضى ولا ينتهى! وقد يمتد هذا النور فيصل إلى الجنة ليؤنس المؤمنين، وقد يتغمد الله أهل النار برحمته فيصل نور البنا إلى النار فيطفئها! وإنا لله وإنا إليه راجعون.
لذلك لا يأخذنا العجب، حينما نقرأ فكرة «الإمامية» واضحة جلية فى عيون الإخوان، إذ اعتبروا حسن البنا الإمام الملهم الموهوب الذى لم يقع فى حياته فى خطأ قط، فيقول الإخوانى السورى الكبير سعيد حوى رحمه الله: «ونعتقد أنه لا جماعة كاملة إلا بفكر الأستاذ البنا وإلا بنظرياته وتوجيهاته».
فى الفقرة السابقة يتحدث سعيد حوى، وهو أحد كبار الإخوان الذين تولوا مسؤولية الإخوان فى سوريا من عام 1979 إلى عام 1982 ثم أصبح من كبار المسؤولين فى تنظيم الجماعة الدولى، وتوفى عام 1989 يتحدث عن حسن البنا وجماعة الإخوان، فيدخلهما إلى دائرة الكمال، ويضع قاعدة إخوانية مفادها أن فكر حسن البنا هو «الفكر الكامل»، الذى استحوذ على درجة الكمال، وأن الجماعة لم تصبح كاملة إلا بفكر البنا وتوجيهاته!.
شيخهم البنا هذا حيَّر ألبابهم وسلب عقولهم وقلوبهم، وأصبح فى نظرهم مساويًّا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حتى إن الأستاذ محمود عبد الحليم، رحمه الله، يقول عنه فى كتابه «الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ.. الجزء الأول»، «لقد كنت أحار فى تصور قول أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها عن رسول الله إنه كان خلقه القرآن، حتى لقيت حسن البنا وصاحبته فبدت الصورة تتضح أمامى».
وعلى ذات النسق يقول المرشد الثالث الأستاذ عمر التلمسانى عن حسن البنا المرشد الأول: (لما كان الأمر أمر تجميع، وتكوين، وتوحيد مفاهيم أمة مسلمة، لما كان الأمر عودة المسلمين إلى الإيمان، لما كان الأمر كذلك اختار الله لهذه الدعوة إمامها الشهيد حسن البنا).
فى رأى الأستاذ التلمسانى، رحمه الله، أن الإيمان قبل البنا كان إيمانًا غائبًا تمامًا مثل الإمام الغائب الذى سيعيد إلى الأمة إيمانها، وعندما أراد الله سبحانه أن يعيد إلى الأمة إيمانها الغائب الذى اختفى قطعًا فى سراديب الجهالة اختار واحدًا من خلقه ليس مثل باقى الناس، هو حسن البنا، اختاره كى يعيد إلى الأمة دينها المفقود، ولعلنى لا أتعجب من هذه المفاهيم التى أصبحت هى النسيج العام لعقل الجماعة وقلبها، فحسن البنا نفسه يتحدث فى رسائله عن إيمان الإخوان، وإيمان غيرهم، فيقول فى رسالة دعوتنا (والفرق بيننا وبين قومنا بعد اتفاقنا فى الإيمان أنه عندهم إيمان مخدر نائم فى نفوسهم لا يريدون أن ينزلوا على حكمه، ولا أن يعملوا بمقتضاه، على حين أنه إيمان ملتهب مشتعل قوى يقظ فى نفوس الإخوان المسلمين)، أنزل حسن البنا حكمه على قومه كلهم، فقال إن إيمان قومنا مخدر، أطلق الرجل حكمه ولم يقيده، ولم يضع فيه استثناء، ولم يقل حتى عبارة «إلا من رحم ربى»، تلك العبارة التى نستثنى بها أقوامًا إذا تحدثنا بنقيصة ورزيلة عمت وفشت، الاستثناء الوحيد الذى وضعه البنا هنا هو «إيمان الإخوان»، فقط هم أصحاب الإيمان الملتهب المشتعل القوى اليقظ!
وبعد سنوات من مقتل حسن البنا بات من المعروف داخل الإخوان أن لقب البنا هو «الإمام الربانى» أو الملهم الموهوب، بل إن كتابات الإخوان حاليًّا فى صحفهم ومواقعهم أخذت منحى آخر، إذ يكتبون دائمًا عبارة: «حسن البنا رضى الله عنه»! وكان من أعلام الإخوان الذين استخدموا هذه العبارة القطب الإخوانى الكبير الشيخ محمد عبد الله الخطيب، حيث وضعها كعنوان لمقال له فى جريدة «الحرية والعدالة»، وكأن البنا كان من الصحابة المقربين أو أعلى منزلة منهم، ولا يقدح فى هذا ما قد يقال من الإخوان تبريرًا لهذه العبارات، أن هذه الصيغة صيغة دعاء! لأن السياق اللغوى يظهر منه أنها صيغة إخبار لا دعاء.
وإذا كان حسن البنا رضى الله عنه، فمن يتحمل أمام الله وزر قتل النقراشى والخازندار وسيد فايز، وكثير من الأبرياء؟ الإمام المعصوم لا يتحمل الأوزار هو فقط يأمر بها.
اقرأ فى الحلقة القادمة «الثلاثاء».. عقيدة الكذب والتقية عند الإخوان والشيعة
المصدر التحرير
الخميس، 6 يونيو 2013

ثروت الخرباوى يكشف: «الإمامة والتقيَّة» حولت «الإخوان» إلى فرقة شيعية وسط أهل السنة ...أئمة الشر.. الإخوان والشيعة




 البنا وجد أن عقيدة الشيعة مناسبة لنفسيته وإحساسه بذاته.. فهو يرى أنه الإمام المهدى ويراه أتباعه أكثر من ذلك
لم يكن الغزل بينهما من طرف واحد، فالإخوان لا يضيعون فرصة إلا وتغزلوا فيها بإيران وسياستها، وكذلك كانت إيران تفعل، ففى موضوع محطات (البرنامج النووى الإيرانى) المستأنف تخصيبه، الذى يثير حالة قلق فى المجتمع الدولى وقف الإخوان بكل قوة للدفاع عن إيران، يقدمون لها المبررات، وكأنها لا تمثل أى وجه من أوجه الخطورة على المنطقة، أو كأن إيران دولة من الحمائم لا تسعى إلى التوسع على حساب منطقة الخليج كلها، حتى إن مهدى عاكف مرشد الجماعة أدلى بتصريح فى جريدة «النهار» الكويتية قال فيه عن البرنامج النووى الإيرانى، وهل يؤثر على أمن الخليج: «هذا البرنامج من حقهم، حتى ولو كان قنبلة نووية فهذا حقهم».
وقال أيضا: «وفى ما يخص المد الشيعى أرى أنه لا مانع فى ذلك، فعندنا 56 دولة فى منظمة المؤتمر الإسلامى سُنية، فلماذا التخوف من إيران وهى الدولة الوحيدة فى العالم الشيعية؟».
يُفصح مهدى عاكف هنا عن الضمير المستتر فى الجماعة، ضميرها الذى لا يرى غضاضة فى أن يمارس الشيعة نشاطًا يستهدف نشر مذاهب الطوائف الشيعية وسط أهل السنة، ولِمَ لا والمرشد الأول حسن البنا استطاع أن يقدم الشيخ الشيعى محمد تقى القمى للشيخ محمود شلتوت الذى أصبح فى ما بعد شيخًا للأزهر، ولِمَ لا والشيخ شلتوت أصدر فتواه بجواز أن يتعبد أهل السنة لله من خلال مذهب الإمامية الإثنى عشرية الشيعى مع ما فيه من مآخذ عقائدية أبسطها القول بعصمة الأئمة وكونهم فى مرتبة تلى مرتبة النبوة، إذ تؤمن فرق الشيعة بوجود إمام يرث العلم عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، هذا الإمام هو المسؤول فى عقيدتهم عن قيادة الأمة كلها بتكليف ليس من أحد من بنى البشر، لكن تكليفه هنا من الله عز وجل مباشرة، ومن أصول عقيدتهم التى ليس فيها تفريط أن هذا الإمام يكون معصومًا عن الخطأ، منزّه، لا يأتيه الباطل ولا يقترب منه قيد أنملة، هو أعلى من كل البشر، بل أعلى من الأنبياء سوى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أجل أنه معصوم وهو الذى يقوم بتبليغ الأمة دينها فإن هذا يقتضى استمرار الوحى وفقًا لبعض مذاهبهم، وفى مذهب الإمامية يقولون إن الأئمة منحهم الله سبحانه علمًا لدنيًّا مثل العلم الذى كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُختار الإمام من قبل الله عز وجل لا بواسطة الناس، ويوصى كل إمام بالإمام الذى يليه، والأئمة بعد النبى صلى الله عليه وآله اثنا عشر من أهل بيته، أولهم سيدنا على بن أبى طالب رضى الله عنه، وآخرهم الإمام المهدى المنتظر محمد بن الحسن العسكرى، وهو باقٍ منذ ولادته إلى يومنا هذا، غير أنه اختفى عندما دخل فى سرداب.
لا يجد الإخوان غضاضة فى أن ينتشر هذا المذهب الشيعى بين أهل السنة وفقا لمرشدهم مهدى عاكف، خصوصًا أنهم أعطوا أى الإخوان لحسن البنا منزلة شبيهة بمنزلة الإمام المعصوم، حسن البنا عندهم إمام ملهم لم يقع فى خطأ فى حياته قط، كما قال نجله أحمد سيف الإسلام حسن البنا فى حوار له بجريدة «المصرى اليوم» فى يونيو من عام 2011، ونفس القول تجده يتردد فى أدبيات الإخوان، بل إن هذه الجماعة احتفت بتاريخ البنا ورسائله وحياته وحركاته وسكناته، ولم تحتف بالرسول صلى الله عليه وسلم ولو بمقدار العشر!
فكرة الإمامية إذن ليست غائبة عن فكر الإخوان حتى إنهم أطلقوا على البنا لقب الإمام، وهو فى منتصف العقد الثالث من عمره! وكان قرب البنا من الشيعة هو الذى جعله يرى الإمامة فى نفسه، ويرى العصمة فى عمله، وتسرب هذا الفكر إلى جماعة الإخوان حتى أصبحت وكأنها أحد أفرع الشيعة وسط المجتمعات السنية، ورغم أن حرب جنوب لبنان عام 2006 كانت خاصة ببلد عربى، وهو أمر يهم كل العرب، فإن اقتراب الإخوان من حزب الله، واقتراب حزب الله من حماس الذراع العسكرية للإخوان، جعل تأييد الإخوان لحزب الله فى هذا الحرب يدخل فى نطاق «التمازج بين الاثنين»، فقد كان تأييد جماعة الإخوان المسلمين لحزب الله أكثر من صريح، كان دعمها لهم ليس خافيًّا على أحد، للدرجة التى جعلت مرشد الإخوان وقتها مهدى عاكف يقول فى مؤتمر صحفى عقده فى نقابة الصحفيين «إن الإخوان على استعداد أن يرسلوا أكثر من عشرة آلاف مقاتل لكى يقاتلوا مع حزب الله فى جنوب لبنان»! وبهذا التصريح تكون جماعة الإخوان قد خرجت عن تحفظها، وأظهرت أن لها كتائب تستطيع القتال بها بجانب حزب الله! وحين ظن البعض أن عبارة مهدى عاكف مرشد الإخوان هى فلتة من فلتات اللسان أطلقها دون أن يدرى أثرها، خرج علينا عصام العريان أحد المفكرين الكبار فى الجماعة الإخوانية على قناة «المنار» اللبنانية الشيعية ليقول: «باستطاعة الإخوان إرسال أكثر من مئة ألف مقاتل للوقوف كتفًا بكتف مع إخوانهم فى حزب الله».
وعلى نفس الوتيرة قال مهدى عاكف لقناة «الجزيرة»، برنامج «الحوار المفتوح»، بتاريخ 6/3/2004 وهو يتحدث مع المذيع غسان بن جدو عن الشيعة: «يا سيدى الكريم الشيعة والسُنَّة أمة واحدة، قِبلتها واحدة، دينها واحد، صلاتها واحدة، حجها واحد، على ماذا نختلف؟»، ثم أردف قائلا: «ثقافة الإسلام حينما تُربى المسلم إنما تربيه ليعبد الله ويأخذ طريقه إلى الجنّة، والإخوان المسلمون والحمد لله موقفهم فى هذا واضح، حينما يربون الشخص المسلم على هذا الفهم الإسلامى الجامع الذى لا يفرق بين مسلم، كل من قال لا إله إلا الله فهو مسلم، ويتبع المذهب الذى يطمئن قلبه إليه، فالمذاهب السُنّية والمذاهب الشيعية كلها مذاهب معتبرة تقود إلى الجنة إن شاء الله حينما يحترمها الإنسان، وأنا من وجهة نظرى أن هذا الذى يحدث الآن على الساحة العربية والإسلامية إنما نتيجة الجهل، ونتيجة خلو الثقافة الإسلامية والعربية من المقاصد الحقيقية لهذا الدين».
وفى نفس البرنامج قال الدكتور يوسف القرضاوى: منذ عشرات السنين بدأت دار التقريب بين المذاهب الإسلامية فى مدينة القاهرة، وكان فيها من أكابر العلماء الشيخ عبد المجيد سليم والشيخ محمود شلتوت والشيخ عبد العزيز عيسى والشيخ محمد المدنى، وكان معهم الشيخ حسن البنا وكان الشيخ تقى الدين القُمى يذهب إلى المركز العام للإخوان المسلمين، ويستقبله الشيخ حسن البنا المرشد الأول، وكانت قاعدتهم هى القاعدة الذهبية التى أقامها الشيخ رشيد رضا رحمه الله وتبناها الشيخ حسن البنا نتعاون فى ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فى ما اختلفنا فيه، التقريب حدث منذ زمن بعيد، وأنا أذكر أننا استقبلنا السيد نواب صفوى رئيس جمعية فدائيان إسلام فى المركز العام، واستقبلناه فى جامعة القاهرة فى احتفال ضخم كبير، وكان من الأسباب التى أدت إلى حل الإخوان المسلمين وحدث بينهم وبين رجال الثورة فى ما بعد، المبادرات يعنى من قديمة، ويجب أن تستمر لا يجوز أن نيأس أبدا من جمع كلمة الأمة، وكما قال الأستاذ عاكف لماذا لا تجتمع هذه الأمة؟ وما الذى يفرق بينها وربها واحد وكتابها واحد ورسولها واحد وعقيدتها واحدة وقبلتها واحدة، كل شىء يُجمع هذه الأمة، لكن أعداء هذه الأمة هم الذين يحاولون تشتيت كلمتها وتفريق صفوفها، حتى لا يلتئم لها جمع ولا تجتمع لها كلمة، ويجب أن نكون أقوى من هذه المكايد، وأن نعلو عليها ونجمع كلمة الأمة، خصوصًا فى هذه الأوقات العصيبة.
وكان لا بد أن ترد إيران الهدية للإخوان، فبعد قيام الثورة المصرية الحديثة وقبل أسبوع من سقوط مبارك، وقف السيد على الخامنئى على منبر خطبة الجمعة فى الرابع من فبراير 2011، وأخذ يصول ويجول متحدثًا عن الثورة المصرية مشبهًا إياها بالثورة الإسلامية ضد شاه إيران، أعطى خامنئى وصف «الإسلامية» للثورة المصرية رغم أنها كانت ثورة الجميع لا ثورة فصيل بعينه، وكأنه من منبره كان يعطى إشارة البدء للجماعة الإخوانية حتى تستولى على هذه الثورة، والغريب أنه بعد هذه الخطبة مباشرة وقفت الجماعة الإخوانية موقفًا غريبًا من الثورة، إذ تركت الميادين وذهبت لتتفاوض مع السيد/ عمر سليمان، وكان من يتفاوض عنها هما محمد مرسى وسعد الكتاتنى، وبعد أن تم خلع مبارك ارتمت الجماعة الإخوانية فى أحضان المجلس العسكرى، وأخذت مسيرتها تدور حول دائرة واحدة فقط لا علاقة لها بمصلحة الدولة، لكنها ترتبط كل الارتباط بمصلحة الجماعة، فكان اتفاق الجماعة مع المجلس العسكرى فى استفتاء مارس 2011 على تعديل الدستور، وكانت الحرب المقدسة فى تعديل هذا الدستور، التى أطلق عليها الإخوان «غزوة الصناديق»، وظهروا وكأنهم يشنون حربًا دينية ضد الكفار الذين يعيشون فى المجتمع المصرى! وتحت الشعار الدينى وبريقه الذى يستلب عيون العامة والبسطاء استطاع الإخوان تحويل الثورة المصرية ظاهريًّا لتبدو وكأنها ثورة إسلامية، وحدث لهم ما تمنوه عندما نجحوا بشعاراتهم الدينية وبالرشاوى الانتخابية فى الاستيلاء على كثير من مقاعد البرلمان الذى مكنهم من إدارة معركتهم فى انتخابات الرئاسة، وعند إعلان فوز الدكتور محمد مرسى بانتخابات رئاسة الجمهورية بمصر كانت إيران الرسمية من أوائل المسارعين للتهنئة.
ويبدو أن السياسة كانت متداخلة مع العقيدة بحيث لا ندرى أكان التحالف الإخوانى الشيعى تحالفًا سياسيًّا استتر بالعقيدة، أم أنه كان تحالفًا عقائديًّا استتر بالسياسة، فالعلاقة بين إيران وحماس لا يمكن تفسيرها فقط بمنظور سياسى إنسانى، إنما يجب أن ندخل إلى التاريخ والعقيدة لنعلم كنه هذه العلاقة، يجب أن ندلف إلى نقاط الالتقاء التى وضعها القمى مع البنا، حينما قررا إنشاء دار التقريب بين السنة والشيعة، يجب أن نضع فى الاعتبار قيام الشيخ شلتوت بإصدار فتواه بجواز التعبد على أحد المذاهب الشيعية، ويجب فى ذات الوقت مراقبة علاقة حزب الله وخطابه الإعلامى تجاه جماعة الإخوان وتنظيمها الدولى، وخروج عديد من التصريحات من حزب الله تؤيد فيها مواقف جماعة الإخوان السياسية مهما كانت.
أيًّا كان الأمر فإن الصورة الكاملة للحالة «الإخوانية الشيعية» أظهرت أنهما «أمة واحدة»، فجماعة الإخوان كما قال البنا «ليس لها لون ولا تنحاز إلى طائفة ضد طائفة»، والشيعة تبحث لنفسها عن مكانة تتسيد بها على الأمة كلها وفقا لنوازعها التوسعية، ولا مانع فى رحلتها التوسعية أن تتحالف مع الإخوان، وكلاهما وضع الدين شعارًا له، وكلاهما ضاعت منه المقاصد العليا للإسلام، سواء ما يتعلق بحفظ العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، وتعمير الأرض، كلاهما لا يبحث إلا عن الحكم والوصول إلى أستاذية العالم أو بمعنى أصح استعباده وإخضاعه، وهم فى الحقيقة قوالب جامدة لا حياة فيها، ولا قدرة لهما على تحويل أحلام اليقظة إلى واقع حقيقى، لذلك كان المشهد دراماتيكيًّا، أو بالأحرى عبثيًّا، إذ كانت طموحاتهما كبيرة فعلًا، لكن كليهما نسيا أنهما عرائس خشبية تحركها يد اللاعب المختفى وراء الستار، نسيا أنهما مجرد دمى لا حول لها ولا قوة، والله لا يمنح الأستاذية للدمى، ومع ذلك فقد كانت هناك صعوبات جمة وقفت فى طريق الدميتين عندما اكتشف الجمهور أنهما عرائس خشبية.
■ ■ ■
(فى الشعر العربى قصيدة من عيون الحكمة للشاعر إليا أبو ماضى يقول فيها:
نسى الطينُ ساعة أنه طين حقير فصال تيها وعربد.
وكسى الخز جسمه فتباهى وحوى المال كيسه فتمرد.
يا أخى لا تمل بوجهك عنى ما أنا فحمة وما أنت فرقد.
أنت مثلى من الثرى وإليه فلماذا يا صاحبى التيه والصد.
أيها الطين لست أنقى وأسمى من تراب تدوس أو تتوسد).
الإمام فى عقيدة الشيعة الإمامية الإثنى عشرية معصوم، فهو المكلف بحفظ الرسالة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك لا يتصورون أن يقع هذا الإمام فى خطأ، ولدى الشيعة الإمامية إثنى عشر إمامًا، أولهم سيدنا على بن أبى طالب رضى الله عنه، وآخرهم هو محمد بن الحسن العسكرى الذى دخل سردابا، وهو بعد صغير ثم اختفى وينتظرون ظهوره فى آخر الزمن، عاش الشيعة عمرهم حول تلك الإمامة المعصومة، واعتبروها من أصول عقيدتهم لا من فرعياتها، لم يقل أحد منهم إنها «إمامة سياسية»، لكنها إمامة دينية دنيوية مقدسة، ولم يقل أحد منهم إنهم ابتدعوها بعد «الفتنة الكبرى»، لكنها عندهم هى أصل العقيدة، فكما يؤمنون بالرسول فإن الإيمان لديهم لا يصح إلا إذا آمنوا بالإمام وعصمته وتبليغه الرسالة تمامًا كالرسول صلى الله عليه وسلم، وقد (تفردت الإمامية من بين الفرق الإسلامية بإيجابها عصمة الإمام من الذنب والخطأ، مع اتفاق غيرهم على عدمها. قال الشيخ المفيد: إن الأئمة معصومون كعصمة الأنبياء، ولا تجوز عليهم صغيرة إلا ما قـَدَم ذكر جوازه على الأنبياء، ولا ينسون شيئًا من الأحكام، والإمام منفذ لما جاء به الرسول، وحافظ للشرع، وقائم بمهام الرسول كلها، فلو جاز عليه الخطأ والكذب، لا يحصل الغرض من إمامته).
وتـُعرف الشيعة الإمامية بالفرقة الإثنى عشرية، ويقولون عن سبب هذه التسمية: (ومبعث هذه التسمية هو اعتقادهم باثنى عشر إمامًا من بنى هاشم نص عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله، كما هو معلوم للجميع، ثم نص كل إمام على الإمام الذى بعده، بشكل يخلو من الشك والإبهام، ولقد تضافر عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه يملك هذه الأمة اثنا عشر خليفة كعدد نقباء بنى إسرائيل).
ويؤمن الشيعة بـ«التقية»، ويتوسعون فى استخدامها ويقولون بشرعيتها فى كل الأحوال، ويعتبرون أنها «إظهار للكفر، وإبطان للإيمان»، بمعنى أن الشيعى الذى يعتبر التقية من أصول عقيدته يجيز لنفسه أن يُظهر أمام غير الشيعة رغبته فى التقريب بين السنة والشيعة فى الوقت الذى يبطن فى قلبه الكفر بالمذاهب السنية، وذلك من أجل أن يحقق أغراضه، ومفهوم التقية عند الشيعة هو (اتخاذ الوقاية من الشر).
ويستدلون على شرعيتها بقول الله سبحانه (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) «النحل 106».
ويستدلون أيضا على ذلك بقوله سبحانه (إلا أن تتقوا منهم تقاة) «آل عمران 28»، والمستدل من الآيات أنها ترخص بالتقية فى أوقات الضرورة القصوى، فهى ليست منهج حياة، ولا أسلوب دعوة، لكنها من أساليب مواجهة أعداء الإسلام فى وقت الاستضعاف، وبالتالى لا يُجيز أحد من أهل السنة استخدام التقية بين المسلمين فى حياتهم ونظام حكمهم، لكن الشيعة يستخدمونها وهم يتعاملون مع أهل السنة، ويرون أنها طريقتهم المثلى لاختراق المجتمعات والدول المسلمة السنية، ويقول علماء الشيعة عن الظروف التى دفعتهم إلى اعتناق التقية كمنهج لهم فى حياتهم فى مواجهة أهل السنة إن (الذى دفع بالشيعة إلى التقية بين إخوانهم وأبناء دينهم، إنما هو الخوف من السلطات الغاشمة، فلو لم يكن هناك فى غابر القرون - من عصر الأمويين ثم العباسيين والعثمانيين -أى ضغط على الشيعة، ولم تكن بلادهم وعقر دارهم مخضبة بدمائهم كان من المعقول أن تنسى الشيعة كلمة التقية، وأن تحذفها من ديوان حياتها، لكن يا للأسف! فإن كثيرًا من إخوانهم «يقصد السُنـَّة» كانوا أداة طيعة بيد الأمويين والعباسيين الذين كانوا يرون فى مذهب الشيعة خطرًا على مناصبهم، فكانوا يؤلبون العامة من أهل السنة على الشيعة يقتلونهم ويضطهدونهم وينكلون بهم، ولذا ونتيجة لتلك الظروف الصعبة لم يكن للشيعة، بل لكل من يملك شيئًا من العقل وسيلة إلا اللجوء إلى التقية أو رفع اليد عن المبادئ المقدسة التى هى أغلى عنده من نفسه وماله).
وإذ نظر حسن البنا إلى عقيدة الشيعة وجدها مناسبة لنفسيته وإحساسه بذاته، فهو يرى فى نفسه الإمام المهدى، وأتباعه يرون أنه أكثر من ذلك، كما أنه رسم طريقًا لنفسه ظل يسعى من خلاله إلى استعادة الخلافة على أن يكون هو الخليفة الإمام، فيجمع ما عند السنة بما عند الشيعة، وقد أدرك من أول وهلة أن طريقه الذى رسمه لنفسه سيكون مليئًا بالصعاب والأهوال، لذلك فإن التقية يجب أن تكون من أدواته وهو يرفع مصحفه فى وجوه المسلمين، ليكون طريق السيف والقوة ممهدًا له بعد ذلك، ومن بعده سارت جماعته على منهج التقية، لم تغادره لحظة بل مارسته فى كل العهود، وفى كل المواجهات مع الأنظمة المسلمة التى رفعت السلاح فى وجهها، لذلك قفزت فى ذهنه فكرة التقريب بين السنة والشيعة، والملاحظ أن البنا لم يهتم بتقريب الشيعة للسنة ودفعهم إلى التنازل عن بعض عقائدهم، لكنه سعى إلى تقريب السنة من الشيعة والفارق كبير بين هذا وذاك، وقد أسفرت جهوده عن صدور فتوى الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر بجواز أن يقوم أهل السنة بالتعبد لله على مذهب الشيعة الإثنى عشرية، واعتبر شلتوت أن هذا المذهب هو من المذاهب السنية! وعلى هذا المنهج سار الإخوان، وسيظلون عليه حتى ولو تسلفوا ظاهرًا.

اقرأ فى الحلقة القادمة «الأحد»
كيف وضع الإخوان حسن البنا فى مكانة الرسول؟
المصدر التحرير
الثلاثاء، 4 يونيو 2013

ثروت الخرباوى يكشف: الإخوان يبايعون الخمينى خليفة للمسلمين ... أئمة الشر.. الإخوان والشيعة





ثأثر البنا فى مواقفه بالكثير من أفكار الشيعة وفى نفس الوقت فإن الكثير من علماء الشيعة نظروا بتقدير وإعجاب إلى شخصية البنا
رجل الدين الشيعى نواب صفوى خطب من فوق أحد منابر سوريا قائلا: من أراد أن يكون جعفريا حقيقيا فلينضم إلى صفوف الإخوان المسلمين
الخمينى كان متأثرا بشكل واضح فى كتابه «الحكومة الإسلامية» بفكر سيد قطب والمودودى.. وقد أثر هذا الكتاب فى الإخوان فى السبعينيات حتى إن مصطفى مشهور درسه للطلاب فى المعسكرات الإسلامية
فى عهد مرشد الثورة على الخامنئى أصبحت كتب سيد قطب تُدرس فى مدارس الإعداد العقائدى للحرس الثورى الإيرانى
عندما نتوغل فى تاريخ جماعة الإخوان المسلمين وعلاقتهم بالشيعة، نجد أن حسن البنا فى مراحله الأولى قد وقع فى هوى الشخصية الشيعية الشهيرة جمال الدين الأسد آبادى، الشهير بجمال الدين الأفغانى، فضلا عن علاقاته المتعددة بكثير من مراجع الشيعة، وأبرزهم آية الله سيد أبو القاسم كاشانى، وعندما نقرأ أفكار البنا ومواقفه نجده وقد تأثر بكثير من أفكار الشيعة، وكان حسن البنا ولا يزال محل إعجاب وتقدير كبيرين من علماء الشيعة بل من عموم الشيعة، خصوصا «الإمامية الاثنى عشرية».
وقد كتب الدكتور العلامة إسحاق موسى الحسينى، الذى كان عضوا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة إلى أن توفاه الله عام 1990، وكان أيضا عضوا بالمجمع العلمى العراقى، فضلا عن عضويته لمجمع البحوث الإسلامية، كتب هذا العالم الكبير فى كتابه الشهير «الإخوان المسلمون.. كبرى الحركات الإسلامية الحديثة» أن الود كان متبادلا بين الإخوان والشيعة، بل إن الشيعة كانوا يعتبرون الإخوان فرعا من فروعهم ومتحدثا بلسانهم وسط الأمة السنية، وكان مما قاله فى هذا الصدد «إن بعض الطلاب الشيعة الذين كانوا يدرسون فى مصر قد انضموا إلى جماعة الإخوان، ومن المعروف أن صفوف الإخوان المسلمين فى العراق كانت تضم الكثير من الشيعة الإمامية الاثنى عشرية»، وعندما زار نواب صفوى سوريا وقابل الدكتور مصطفى السباعى، المراقب العام للإخوان المسلمين هناك، اشتكى إليه الأخير أن بعض شباب الشيعة ينضمون إلى الحركات العلمانية والقومية، فصعد نواب إلى أحد المنابر، وقال أمام حشد من الشبان الشيعة والسنة: «من أراد أن يكون جعفريا حقيقيا فلينضم إلى صفوف الإخوان المسلمين».
وحين أسس المرجع الدينى الشيعى محمد باقر الصدر فى العراق حزب الدعوة الشيعى، وهو أحد أكبر الأحزاب الشيعية فى العراق، رأى أن يدخل فى تحالف واضح مع الحزب الإسلامى العراقى السنى، وقد كان الحزب الإسلامى هذا هو الذراع السياسية لجماعة الإخوان فى العراق، ثم دخل حزب باقر الصدر الشيعى مع الحزب الإخوانى فى تحالف بعد ذلك حتى إن كثيرا من المؤرخين قالوا إنهما كانا فى حالة وحدة.
وعلى صعيد آخر لم تكن بعض الرموز الإسلامية مثل أبو الحسن الندوى وأبو الأعلى المودودى، وهما من أكثر المفكرين تأثيرا على فكر جماعة الإخوان المسلمين بعد الشيخ البنا خارج هذا السياق، كان الهم الذى جمع مشاعر المودودى والندوى هو ذلك التفرق بين طوائف المسلمين فى الهند، فى الوقت الذى كانت الأكثرية الهندوسية كيانا واحدا، شعر هذان الرجلان بالحاجة الملحة إلى وحدة مسلمى الهند بمختلف طوائفهم السنية والشيعة الإمامية حتى البهرة الإسماعيلية، وكانت أفكار حسن البنا ذات تأثير كبير فى هذين العالمين، خصوصا فكرته عن التقريب بين الطوائف الإسلامية المختلفة، والغريب أن المودودى بالذات كان صاحب تأثير كبير فى ما بعد على سيد قطب، وكذلك كان الندوى، وكان المودودى قد صنع لنفسه قواما علميا خاصا به حتى صار صاحب مشروع فكرى.
والبادى من فكر سيد قطب (الصانع الثانى للمنظومة الفكرية للإخوان) أنه تأثر بهذين المفكرين، حتى إنه كتب مقدمة للترجمة العربية لكتاب الندوى: «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» ومن المعروف وفقا لتراث الندوى أنه كان يمجد إلى درجة تقترب من التقديس سلالة آل البيت، إلى الحد الذى كان يقربه من الشيعة الإمامية، أما فكرة «الحكومة الإسلامية» التى كانت ماثلة فى فكر المودودى فقد تأثر بها سيد قطب وأخذ منها مشروعه الفكرى وتلقى منه فكرة «الحاكمية»، فضلا عن تأثر قطب بكتاب المودودى «المصطلحات الأربعة».
وفى ذات الوقت تجد أن الإمام الخمينى، مرشد الثورة الإيرانية، وضع كتابا تحت عنوان «الحكومة الإسلامية»، وضح من خلاله تأثره بفكر سيد قطب والمودودى، وقد كان كتاب الخمينى هذا حاضرا بقوة فى المشهد الإسلامى الإخوانى المصرى إبان فترة السبعينيات، وأذكر حينما كنا طلبة بالجامعة وفى غضون عام 1979 أنه انتشر بين طلاب الإخوان المسلمين كتاب «الحكومة الإسلامية» للخمينى، وكان الأستاذ مصطفى مشهور وقتها يقوم بتدريس هذا الكتاب للطلاب فى المعسكرات الإسلامية، وأذكر أننى حضرت أحد هذه المعسكرات فى مدينة رأس البر، وكان هذا المعسكر قد نظمته الجماعة الإسلامية لسان حال الإخوان فى الجامعات، وكان بعض شيوخ الإخوان الكبار يلقون محاضراتهم فى الأمسيات، وفى الليلة الأولى للمخيم قامت إدارة المعسكر بتوزيع كتيب «الحكومة الإسلامية» للخمينى علينا، وبعد أن تسلم كل واحد منا نسخته من ذلك الكتيب، طلب منا المشرف على المعسكر الأخ زياد عبد الخالق السورى وكان من الطلبة السوريين الذين يدرسون فى جامعة عين شمس، وكان يمت بصلة قرابة لمصطفى السباعى الذى كان مسؤولا عن الإخوان فى سوريا، طلب منا أن نقرأ هذا الكتيب بإمعان، حيث إن أحد الرموز الإسلامية سيلقى علينا محاضرة عنه فى المساء، لم يخبرنا الأخ باسم هذا الرمز، الأمر الذى جعلنا نتشوق للمحاضرة، فانكب كل واحد منا على كتيب الخمينى نقرأه حتى كدت أن أحفظ سطوره.
وفى المساء كانت المفاجأة، الحاج مصطفى مشهور، عضو مكتب الإرشاد، هو المحاضر، جاء إلى المعسكر فى سيارة «فيات» قديمة بيضاء اللون، وكان يقود السيارة شاب كث اللحية أسمر اللون، وكان برفقة الحاج مصطفى رجلا فى نهاية العقد السادس من عمره، عرفت يومها أن اسمه الحاج أحمد حسنين، وأنه كان أحد الأعضاء الكبار فى مكتب الإرشاد وأحد قيادات النظام الخاص بالجماعة، وكانت هذه أول مرة أعرف فيها هذا الرجل الذى كان معروفا فى الجماعة بـ«الرجل الصامت»!
وبعد صلاة العشاء قام الحاج مصطفى مشهور بإلقاء درس علينا، قارن فيه بين كتيب الخمينى «الحكومة الإسلامية» وكتاب معالم فى الطريق، ثم عرج فى محاضرته على فكرة الحكومة الإسلامية التى تمثل المشروع الأكبر فى فكر المودودى، وعقد مشهور مقارنة بين تلك الكتب، وقال وقتها إن الخمينى تأثر بالبنا، لأن البنا كتب فى رسائله عن الحكومة الإسلامية، واستطرد مشهور، فى محاضرته، شارحا نقاط التقاء الخمينى مع البنا، فقرأ فقرات من رسالة البنا «دعوتنا» التى تحدث فيها البنا عن أن الإيمان مخدر فى قلوب المسلمين ولكنه يقظ منتبه فى قلوب الإخوان، ثم قرأ فقرات من كتاب آخر للخمينى عنوانه «جهاد النفس»، يقول فيه الخمينى مخاطبا عموم المسلمين: «إلى متى يتملككم السبات والغفلة، استيقظوا من نومكم واجعلوا إيمانكم يقظا منتبها».
وفى ختام محاضرته تحدث عن تقارب فكر الخمينى بفكر سيد قطب، فقال وهو يمازج بينهما: «إن هذا الكتاب وكتاب قطب (معالم فى الطريق) يخرجان من مشكاة واحدة».
■ ■ ■
إذا أردنا أن نتابع مدى التلاقح بين الشيعة والإخوان سنجد أن إيران بعد الثورة الشيعية كانت من أكثر الدول التى ذهبت إليها آلاف النسخ من كتاب سيد قطب «فى ظلال القرآن»، ولم تكن هذه هى المرة الأولى التى ذهب فيها «معالم فى الطريق» إلى إيران وهو يحث الخطى، بل كان قد ذهب إليها بعد عام 1966، عندما تمت طباعة الكتاب فى بيروت، وكان لهذا الكتاب رواج كبير وسط أهل الشيعة، بحيث لم يعرف أحد كتابا صادرا من كاتب سنى لقى هذا الانتشار والشعبية فى دولة شيعية مثل هذا الكتاب.
والباحث الأريب سيجد أن الخمينى فى فكرته عن ولاية الفقيه، وفى كتابه «الحكومة الإسلامية» قد تأثر بفكرة «الحاكمية» عند سيد قطب، وفى عام 1966 ترجم السيد على الخامنئى قائد الجمهورية الإيرانية تلميذ الخمينى، الذى كان أيضا تلميذا نجيبا لنواب صفوى الذى كان معروفا بصلاته الوثيقة بالإخوان ترجم خامنئى للفارسية كتاب سيد قطب «المستقبل لهذا الدين» ومن فرط تأثر خامنئى بقطب، كتب مقدمة للترجمة تقطر بالمشاعر الجياشة، وصف فيها سيد قطب بالمفكر المجاهد، وكان النظام المصرى قد أعدم قطب عامها بتهمة تشكيل تنظيم يستهدف اغتيال جمال عبد الناصر وقلب نظام الحكم بالقوة، وهو الأمر الذى اعترف به قطب فى رسالة كتبها قبل شنقه بعنوان «لماذا أعدمونى»، وقال خامنئى فى مقدمته لهذا الكتاب «بهذا الكتاب فى فصوله المبوبة تبويبا ابتكاريا أن يعطى أولا صورة حقيقية للدين، وبعد أن بيَّن أن الدين منهج حياة، وأن طقوسه لا تكون مجدية إلا إذا كانت معبرة عن حقائقه، أثبت بأسلوب رائع ونظرة موضوعية أن العالم سيتجه نحو رسالتنا وأن المستقبل لهذا الدين».
ظلت العلاقة بين الإخوان والشيعة تظللها الروابط الوشيجة، وظل الود متصلا من الناحية الفكرية، فضلا عن الإعجاب المتبادل، حتى إن الإخوان شكلوا وفدا تقابل مع الخمينى فى باريس قبل الثورة، وكان ذلك فى غضون عام 1978، وفقا لما قاله يوسف ندا فى برنامج «شاهد على العصر» فى قناة «الجزيرة»، وبعد وصول الخمينى للسلطة فى إيران عام 1979 كانت من أوائل الطائرات التى وصلت مطار طهران واحدة تحمل وفدا يمثل قيادة التنظيم الدولى للإخوان المسلمين، وكان يوسف ندا القطب الإخوانى الكبير والمشرف وقتها على أموال الجماعة وعلى قسم الاتصال بالعالم الخارجى فيها هو أحد الشخصيات الرئيسية فى هذه الطائرة، رغم أنه أنكر وجوده فى هذا الوفد، إلا أن الأستاذ عباس السيسى كان قد ذكر لى فى اللقاء الذى جمعنا بمقر الإخوان بشارع سوق التوفيقية الذى كتبت تفصيلاته فى الفصل الأول أن يوسف ندا كان على رأس الوفد الأول، وكان معه الأستاذان جابر رزق المصرى، وغالب همت السورى، وبعض ممثلى الإخوان عن دول متفرقة، وكان تشكيل الوفد بأوامر صدرت من الأستاذ عمر التلمسانى، ويبدو أن هذا التكليف من الأستاذ عمر التلمسانى كانت له أسبابه، ففى هذه الفترة فى مصر كان الخلاف قد بدأ يستحكم بين الرئيس الراحل أنور السادات والإخوان، وأخذ الرئيس يتحدث عن انفلاتات الإخوان واستغراقهم فى ممارسة العمل السياسى، كما أن استضافة السادات شاه إيران المخلوع لكى يقيم فى مصر أحدثت خصومة بينه، أى السادات، وبين الحركة الإسلامية على عمومها، وكان السادات يعلم علم اليقين أن مفتاح الحركة الإسلامية قابع فى مقر الإخوان بحيث كان فى إمكان الإخوان تحريك الجامعات ضده، خصوصا أن الجماعة الإسلامية بالجامعة لسان حال الإخوان وقتها كانت فى أوج شعبيتها وفى عنفوان قوتها، وكانت تستطيع تحريك الجامعات كلها ضد النظام الحاكم وتوجهاته، فكان أن بدأ السادات يضيق على الإخوان فأصدر عام 1979 لائحة تحكم انتخابات اتحاد الطلبة بالجامعة، وكان الهدف من هذه اللائحة هو «قص ريش» الجماعة ومنعها من تصدر العمل الطلابى.
كانت كل هذه الأشياء فى خاطر الأستاذ عمر التلمسانى عندما أوفد وفوده إلى طهران لتقابل الخمينى، لذلك كان ولا بد أن يكون يوسف ندا مسؤول الاتصال الدولى بالجماعة على قمة هذا الوفد، فقد كان مكلفا بمهمة خطيرة قد تصنع تاريخا جديدا للمنطقة.
طرح الوفد الإخوانى على الخمينى فكرة أن تبايعه الجماعة بكل فروعها الدولية فى كل العالم على أن يكون خليفة للمسلمين، ولكنها اشترطت على ذلك شرطا هو أن يصدر بيانا يقول فيه «إن الخلاف على الإمامة فى زمن الصحابة مسألة سياسية وليست إيمانية»، ولكن الخمينى لم يرد عليهم وقتها، وعندما صدر الدستور الإيرانى كان الأمر بمنزلة مفاجأة للإخوان، وفق ما قال يوسف ندا فى حواره مع قناة «الجزيرة» برنامج «شاهد على العصر»، إذ نص الدستور الإيرانى على أن «المذهب الجعفرى هو المذهب الرسمى للدولة وبولاية الفقيه نائبا عن الامام الغائب».
كانت هذه المادة فى الدستور هى الإجابة على طلب الإخوان، فالخمينى بهذه المادة قال لهم إن الخلاف لم يكن سياسيا أبدا ولكنه كان عقائديا، فإن قبلوه خليفة للمسلمين بمذهبه فأهلا وسهلا، ومع هذا كان الإخوان فى مصر مستمرين على تأييد الخمينى وثورته، بحيث تحولت مجلة «الدعوة» لسان حال الإخوان إلى منبر من منابر الدفاع عن الثورة الإيرانية، وفى سبيل هذا الدفاع غضت الجماعة الطرف عن الاعتقالات وأحكام الإعدام التى صدرت فى حق العشرات من أهل السنة بإيران، لم يتألم الإخوان من أجل إخوانهم من السنة، ولم يرمش لهم جفن للقمع الذى حدث لهم، بل إن مجلات الإخوان ونشراتهم ودعاتهم سكتوا عن هذا الأمر وأسهموا فى إلقائه داخل جب سحيق من النسيان، وكأن الأمر لا يعنيهم، غاية ما قاله الأخ يوسف ندا فى برنامج قناة «الجزيرة» «شاهد على العصر» بتاريخ 10/1/2005 «إن هذا الأمر المتعلق بالاعتقالات والإعدامات مؤلم إلا أنه طبيعى إذ (لكل ثورة أخطاء)».
كان الإخوان يدافعون دائما عن إيران الشيعية وثورتها الخمينية، حتى إنهم وفقا ليوسف ندا فى برنامج «الجزيرة» «شاهد على العصر» بتاريخ 10/1/2005 حاولوا حل مشكلة الرهائن الأمريكان فى إيران، وبذلك كان الإخوان يمسكون العصا من المنتصف، فقام السفير الأمريكى فى مصر بزيارة المرشد الأستاذ التلمسانى وكلمه فى هذا الأمر، وأبدى المرشد استعداده للتدخل فى هذه المشكلة وحلها، وأعطاه السفير رقم هاتف البيت الأبيض، ويقول يوسف ندا فى البرنامج المشار إليه آنفا «اتصلت بالبيت الأبيض، وكان المرشد بجوارى، وأخبرتهم أننى أمثل جماعة الإخوان، وأريد الحديث مع الرئيس الأمريكى فأخذوا رقم هاتفى ووعدونى بالاتصال ولكن أحدا لم يتصل بى».
كان الإخوان يريدون أن تكون لهم يد على الخمينى وعلى الأمريكان فى ذات الوقت، ولكن خاب سعيهم وفشلوا فى مسعاهم، إلا أن هذا لم يفت فى عضدهم، وظل الإخوان يدافعون عن الخمينى وثورته، حتى إن المرشد الأستاذ التلمسانى قال بتاريخ 16/2/1984 لمجلة «كرسنت» وهى مجلة كندية إسلامية: «لا أعرف أحدا من الإخوان المسلمين فى العالم يهاجم الشيعة».
وعند وفاة الخمينى عام 1989 أصدر المرشد العام للإخوان حامد أبو النصر نعيا يقطر حزنا قال فيه: «الإخوان المسلمون يحتسبون عند الله فقيد الإسلام الإمام الخمينى القائد الذى فجر الثورة الإسلامية ضد الطغاة».
كانت وفاة الخمينى نكبة للشيعة وللإخوان المسلمين، فالخمينى وفقا لما قاله لهم، تأثر بحسن البنا، حتى إنه أطلق على نفسه لقب المرشد اقتداء بحسن البنا، وفى هذا يقول أحد أكبر الشيعة فى مصر، وهو أيضا أحد الأعضاء القدامى فى جماعة الإخوان، المستشار الدمرداش العقالى «وأعود لأقول إن حسن البنا كان داعيا إلى التقريب وأذكر فى هذا الخصوص أن الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام آية الله روح الخمينى، حفظت للإمام حسن البنا هذه السابقة والنظرة النافذة، فاستخدمت صفته التى بدأ بها حياته وهى كلمة مرشد -وحسن البنا هو أول من تسمى بكلمة مرشد، حيث كان يطلق عليه المرشد العام للإخوان المسلمين- يجهل الناس أن الإمام الخمينى ترك جميع المسميات الحوزية فى حوزيات الشيعة مثل كلمتى المرجع والغاية، وحرص على كلمة مرشد الثورة تيمنا بالإمام البنا، وقال لى من أثق فى صدقه من حول الإمام الخمينى إنه رفض أن يُسمى (المرشد العام)، وقال فليبق العام حقا لأول من أحيا الروح الإسلامية فى مصر فى القرن العشرين -حسن البنا- وأطلقوا اسمه على ساحة ضخمة فى طهران، (ساحة الإمام الشهيد حسن البنا)، وليس هذا من فراغ، ومن يحاولون أن يصوروا أن دعاة الإسلام الصحيح سنة وشيعة يمكن أن يفترقوا إنما هم واهمون، لأن من يفترقون هم الدعاة الكذبة، سواء للتسنن أو للتشيع، ولو أخلص الناس دينهم لله لاقترب التسنن من التشيع والعكس».
لم تكن وفاة الخمينى هى نهاية العهد الذى بينهما، ولكنها كانت بمنزلة انتقال إلى «طور» آخر من العلاقة، ففى عهد على الخامنئى الذى أصبح «مرشدا» فى مرحلة ما بعد وفاة الخمينى، أصبحت كتب سيد قطب تُدرس فى مدارس الإعداد العقائدى لـ«الحرس الثورى الإيرانى»، كما برز نفوذ لمرجعيات دينية مثل «آية الله محمد تقى مصباح يزدى»، وهو الأستاذ الروحى لأحمدى نجاد، الذى أصدر عديدا من الفتاوى التى أثارت جدلا، وكان منها وجوب انتخاب أحمدى نجاد وتحريم انتخاب من ينافسه، وهى فتوى شبيهة بالفتوى التى أصدرها بعض دعاة الإخوان فى أثناء انتخابات الرئاسة المصرية، إذ أفتوا بوجوب انتخاب محمد مرسى وتحريم انتخاب أى منافس له، وتكمن أهمية مصباح يزدى فى أنه أحد أكبر المعجبين بسيد قطب وكتبه، ويشار إلى مصباح يزدى بحسبه أحد أكبر الفلاسفة الإيرانيين فى العصر الحديث، ولذلك كان منطلقه فى إعجابه بقطب من زاوية «الحاكمية» وجاهلية المجتمعات. كان هذا غزلا رفيعا ترنم به الشيعة فى أذن الإخوان، فمس أوتار قلوبهم، فقاموا بالرد على الغزل بغزل أرفع منه.
اقرأ فى الحلقة القادمة «الخميس».. عندما اعترف مهدى عاكف أن الجماعة لديها 10 آلاف مقاتل
المصدر التحرير
الأحد، 2 يونيو 2013

ثروت الخرباوى يكشف: حسن البنا داعية للشيعة.. والكاشانى مرشدا للإخوان المسلمين «9» أئمة الشر.. الإخوان والشيعة




القمى الشيعى وصف البنا بأنه «كان جبلاً شامخًا فى همومه وتحركه ونشاطه وتخطيطه وإخلاصه»
آزرشب الإيرانى يرد على القمى: البنا أراد أن يكون خليفة للمسلمين وسينتهى به الحال مسجونًا فى الليمان أو معلقًا على أعواد المشانق بتهمة التحريض على القتل
الحكومة المصرية قامت باعتقال معظم أعضاء الجماعة وتركت حسن البنا حرًّا طليقًا لتساومه على تسليمها أسماء أعضاء الجهاز السرى الخاص
البنا اقترح اسم «التقريب» عنوانًا للتقارب السنى الشيعى لأنه أقرب إلى التعبير عن أهداف الجماعة.. والقمى يؤكد أنه تم اغتياله وهو خارج من هذه الدار!
فى دراسة أعدها السيد محمد على آزرشب وهو من الشخصيات الشيعية الشهيرة ومن دعاة التقريب بين السنة والشيعة، كشف عن ذكريات الشيخ محمد تقى القمى مع حسن البنا كانت هذه الدراسة تحت عنوان «التقريب بين المذاهب الإسلامية القاهرة القسم الثانى - تاريخ ووثائق» جاء فيها:
(الشيخ حسن البنا والتقريب)
«وحين يتحدث الشيخ القمى عن ذكرياته مع جماعة التقريب يقف طويلا عند الشيخ حسن البنا، حين يذكره يسرى إلى جسده نوع من النشاط والحيوية فى الكلام كأن نشاط الشيخ البنا يسرى إلى جسده، لم يكن حسن البنا عالما أزهريا، ولم تكن له علاقات مع شيوخ الأزهر، لكنه كان جبلا شامخا فى همومه وتحركه ونشاطه وتخطيطه وإخلاصه، بهذه الصفات الكبيرة اخترق أوساط الشباب الجامعى وربّى جيلا تقيا ورعا مجاهدا مثقفا ثقافة إسلامية واعية صحيحة، كان يحمل همّ التقريب بين مذاهب المسلمين انطلاقا من هدفه الذى كان يعيشه بكل وجوده، وهو عودة الأمة المسلمة إلى عزتها وكرامتها ومكانتها على الساحة التاريخية، روحه التقريبية هذه سرت إلى جماعة الإخوان المسلمين التى أسسها ورعاها وأشرف على مسيرتها، وآثاره لا تزال حتى اليوم موجودة بين جماعات الإخوان المسلمين، فهى الجماعة السلفية الوحيدة التى ترفض التعصب الطائفى وتقيم علاقاتها على أساس الإسلام وحده لا المذهب، ولا تعير أهمية للخلافات المذهبية. الشيخ البنا هو الذى سمّى الدار، جدير بالذكر أن الشيخ حسن البنا كان من أوائل جماعة التقريب ومن المهتمين بدفع مسيرة الدار، وكان الحديث فى الأيام الأولى لتشكيل الجماعة يدور عن اسم للمؤسسة التى يهم الشيخ القمى بإنشائها، هل تحمل اسم الوحدة، أو التعارف، أو التعاضد أو..؟
غير أن الشيخ حسن البنا اقترح اسم التقريب لأنه أقرب إلى التعبير عن أهداف الجماعة، وحملت الجماعة والدار اسم التقريب، بناء على اقتراح هذا الشيخ التقى المجاهد، ولا بأس أن نذكر أن الشيخ كان مهتما أن ينشر فى صحيفته ما يقرب بين أهل السنّة والشيعة، وكان يتعاون مع دار التقريب فى إيصال صوتها إلى السعودية التى حظرت هذا الصوت آنذاك، ولا بأس أن أذكر إحدى ذكريات الشيخ القمى فى هذا المجال، بعد حادثة إعدام السيد أبو طالب اليزدى فى الحجاز انقطع سفر الإيرانيين إلى الحج لسنوات، ثم عاد حج الإيرانيين، وعمدت دار التقريب إلى نشر مناسك الحج على المذاهب الخمسة أى مذاهب أهل السنة الأربعة ومذهب الشيعة الإمامية، من أجل إزالة ما علق فى الأذهان تجاه الشيعة إثر التشويش الذى حدث بعد إعدام السيد الإيرانى، وخلال سنوات انقطاع الإيرانيين عن الحج، هذه المناسك توضح بما لا يقبل الشك أن السنة والشيعة متفقان فى معظم مناسك الحج إن لم يكن كلها، وما كان بالإمكان إدخال هذه المناسك إلى السعودية لتوزيعها فى موسم الحج، لأن التعليمات هناك لم تسمح بذلك آنئذ، ولكن الشيخ حسن البنا وجد الطريق إلى ذلك، فطبع كل هذه المناسك فى صحيفته، وأدخلها فى موسم الحج إلى السعودية، وتوزعت بين الحجاج وكان لها أبلغ الأثر بين المسلمين، وفى تلك السنة حجّ الشيخ حسن البنا، والتقى فى أيام الحج بالعالم المجاهد آية اللّه أبو القاسم الكاشانى الزعيم الدينى لحركة تأميم النفط فى إيران، وبمناسبة الحديث عن الشيخ حسن البنا يذكر الشيخ القمى ليلة استشهاد البنا «رحمه الله» لقد كان فى دار التقريب، وما إن خرج حتى انقطع التيار الكهربائى، وفى وسط الظلام امتدت الأيدى الآثمة لتصفى هذا الداعية الكبير. وقد تكون هذه الأيدى هى التى صفَّت الشيخ المدنى فى الكويت ثم الشيخ القمى نفسه فى باريس.
معلومة جديدة أضافها آزرشب فى دراسته هذه حيث قال:
«كان حسن البنا قبيل اغتياله فى دار التقريب! الذى استقر عليه كل من كتبوا عن اغتيال حسن البنا بل والثابت من تحقيقات القضية نفسها، أن حسن البنا كان فى مقر جمعية (الشبان المسلمين) كان حسن البنا وقت الاغتيال فى أزمة طاحنة، فجماعته قتلت رئيس الوزراء النقراشى، وعلى أثر ذلك قامت الحكومة المصرية باعتقال معظم أعضاء الجماعة، إلا أنها تركت حسن البنا حرا طليقا لتساومه على أن يسلمها أسماء أعضاء الجهاز السرى الخاص الذى قام بعديد من أعمال الاغتيالات والإرهاب، وكان حسن البنا يخشى من سطوة أعضاء هذا النظام الذين أفلتوا من الاعتقال، فلو قام بتسليم الأسماء للحكومة فلن يفلت من انتقام هؤلاء الذين حملوا السلاح واستساغوا الاغتيال وشرعنوا للقتل، وإذا لم يسلم الأسماء فتهديد الحكومة له قائم، سيتم تقديمه للمحاكمة على رأس المتهمين بقتل النقراشى والتحريض على قتله، وبذلك تنتهى حياته نهاية مأساوية، رجل أراد أن يكون خليفة للمسلمين سينتهى به الحال مسجونا فى الليمان أو معلقا على أعواد المشانق بتهمة التحريض على القتل، أفى ظل هذه الأزمة يفكر حسن البنا فى الذهاب إلى دار التقريب بين السنة والشيعة؟!
من أين استقى تقى القمى معلوماته فى هذا الشأن، هل كان البنا فى زيارة له وقتها؟! وتم قتله بعد خروجه من اللقاء.
أيا كان الأمر فإن مقتل حسن البنا الذى يحتاج إلى تحقيق تاريخى دقيق لم يحمل نهاية للعلاقة بين الإخوان والشيعة، بل كان مرحلة جيدة تلتها مراحل أخرى كانت العلاقة فيها بينهما أكثر حميمية من ذى قبل، وقد ظل التأثير والتلاقح الفكرى يسير على قدم وساق بينهما خصوصا أن سيد قطب قد ترك تأثيرا كبيرا فى كتابات العالم الشيعى الكبير محمد باقر الصدر، خصوصا عندما كتب كتابه «فلسفتنا» وكتابه «اقتصادنا».
بل إن مفاجأة كبرى فجرها الدكتور العلامة إسحاق موسى الحسينى فى كتابه «الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة» حينما قال «إن بعض الطلاب الشيعة الذين كانوا يدرسون فى مصر قد انضموا إلى جماعة الإخوان»، قطعا «لم ينضموا إلى جماعة الإخوان بحسب أنها جماعة سنية أو أنهم تسننوا وتركوا تشيعهم، ولكنهم انتسبوا إليها بحسب أنها حركة إسلامية يستطيعون من خلالها إحداث قدر من التنسيق يدلفون منه إلى تشييع المحتمعات السنية».
وبغض النظر عن هذا، فقد ظل حسن البنا ساعيا إلى فكرة التقريب حتى إن مؤرخ الإخوان الأكبر محمود عبد الحليم قال «لو كانت الظروف قد أمهلت حسن البنا لتمَّ مزج هذه الطائفة بالطوائف السنية مزجًا عاد على البلاد الإسلامية بأعظم الخيرات».
وفى ذات الصدد يقول جمعة أمين عضو مكتب الإرشاد «لقد تنبَّه المصلحون من المسلمين إلى الأضرار التى تتعرض لها الأمة الإسلامية بسبب هذا الانقسام، فراحوا ينادون بوحدة الصف الإسلامى ونبذ أسباب الفرقة بين أبناء الدين الواحد، وقد تزعَّم هذه الدعوة فى بدايتها الإمام جمال الدين الأفغانى والإمام محمد عبده، ثم أخذت الدعوة شكلا جماعيًّا بعد ذلك فنشأت جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية التى شارك فيها الإمام البنا».
لم يكن هذا هو رأى الإخوان فحسب، ولا تلك هى نظرتهم وحدهم لمرشدهم الأول، ولكن كانت تلك النظرة ممتدة إلى المجتمع الشيعى، إذ يقول هادى خسرو شاهى رئيس مركز البحوث الإسلامية ومستشار وزير الخارجية الإيرانية: «كان نشاط حسن البنا ونهضته فى المبادئ ومفاهيمها المطروحة فى الواقع مكمِّلا للتيار الإسلامى السابق له، والذى كان قد بدأه السيد جمال الدين الحسينى المعروف بالأفغانى فى أواخر القرن التاسع عشر».
واستطرد خسرو شاهى فى مقاله قائلا عن لقاء البنا بآية الله كاشانى «والنقطة الأخرى فى هذا الجانب هى لقاء الشيخ حسن البنا مع آية الله كاشانى فى زيارة الحج هذه، وبعد إجرائهما الحوار قرَّرا عقد مؤتمر إسلامى فى طهران تشارك فيه شخصيات من العالم الإسلامى كى تتم فيه تقوية العلاقات الودية بين المسلمين أكثر فأكثر».
هل هناك أكثر من ذلك؟! نعم، فآية الله كاشانى أحد كبار الشيعة الذى تحدثنا عنه آنفا كان هو أكبر المرشحين بعد مقتل حسن البنا كى يكون مرشدا للإخوان المسلمين، وقد جرى بشأنه حوار كبير داخل الجماعة إلا أن كفة المستشار حسن الهضيبى رجحت أخيرا فأصبح هو المرشد، وإن كان هذا يدل على شىء فإنه يدل على أن الإخوان يعتبرون أن منهجهم يتفق مع منهج الشيعة، ليس هذا الكلام من عندياتى، ولا هو تعسف فى الفهم وتحوير فى الاستدلال، بل هو من كلام الإخوان حرفيا بلا زيادة ولا نقصان، إذ يقول سالم البهنساوى أحد مفكرى الإخوان المسلمين «منذ أن تكونت جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية والتى أسهم فيها الإمام البنا والإمام القمى والتعاون قائم بين الإخوان المسلمين والشيعة، وقد أدى ذلك إلى زيارة الإمام نواب صفوى سنة 1954 للقاهرة، ولا غرو فى ذلك فمناهج الجماعتين تؤدى إلى هذا التعاون».
لذلك لم تكن زيارة رئيس إيران إلى مصر فى غضون فبراير 2013 مجرد زيارة سياسية هى الأولى من نوعها، ولكنها كانت فى المقام الأول زيارة إخوانية شيعية ممتدة، بدأت بزيارة القمى للخمينى فى مقر الإخوان، وسيحمل المستقبل لهما مفاجآت لن ينساها أحد.
فى التراث المصرى مثل عامى يقول: «طوبة على طوبة خلى العركة منصوبة» ولهذا المثل قصة، فقد كان هناك بعض اللصوص يريدون سرقة الدواب التى يمتلكها أحد أثرياء قرية من القرى والموجودة فى حظيرة ضخمة بجوار داره، فافتعلوا معركة وهمية بينهم أمام هذه الحظيرة، فكان أن بدأ أهل القرية فى التدخل لفض المعركة، وخرج الثرى من داره هو وأولاده يبتغون كبح جماح الخصومة، وخرج الحراس الذين يحرسون الدواب والماشية يحجزون بين المتعاركين، وفى هذه الأثناء دخل النصف الثانى من اللصوص إلى الحظيرة ليسرقوها، وجعلوا صبيا لهم يراقب الطريق، وكلما خفتت حدة المعركة، ولصوص الحظيرة لم يفرغوا بعد من السرقة، يقوم ذلك الصبى بالنداء قائلا «طوبة على طوبة خلى العركة منصوبة» حتى تستمر المعركة بين اللصوص الذين فى الخارج، فيخلو الجو للصوص الحظيرة، وحين اكتشف أهل القرية هذه الحيلة صارت عبارة الصبى مثلا».
فى غضون شهر أبريل من عام 2009 قامت مُلاسَنة حادة بين رمزين من رموز الإخوان، أحدهما يقيم خارج مصر وهو يوسف ندا مسؤول قسم الاتصال الخارجى بالجماعة، والثانى محمود غزلان عضو مكتب الإرشاد والمتحدث الإعلامى للجماعة، كانت الملاسنة ساخنة موجعة، فيوسف ندا أصدر عدة تصريحات تضمنت إشادة بإيران وثورتها، فى ذات الوقت خرج محمود غزلان عن شعوره وكال الاتهامات لندا واعتبره مروجا للشيعة فى مصر، وزاد غزلان بأن قال: إن ما قاله ندا يخرج عن أفكار الجماعة ولا يعبر عنها! وأن جماعة الإخوان تعادى فكر الشيعة وتدرك خطرهم ولا تسمح لهم بالاقتراب من المجتمعات السنية.
كانت تصريحات غزلان الحادة لافتة للنظر، فالرجل ظهر كأنه لا يعرف شيئا عن تاريخ الجماعة ولا عن محاولات المرشد الأول فى دمج السنة بالشيعة، التى أطلق عليها «التقريب»، كما ظهر كأنه لا يعرف أن البنا ساعد بجهود متواصلة قبل أن يموت فى إنشاء دار التقريب الذى ترتب على نشاطها صدور الفتاوى بجواز أن يعتنق السنى مذهب الإمامية الاثنى عشرية! هل يمكن أن يكون غزلان جاهلا بقناعات الجماعة وتوجهاتها وهو الذى يتحدث عنها إعلاميا؟!
لفت هذا الصراع الظاهرى نظرى، ووقع فى قلبى أنه خلاف مصنوع، وبعد انتخابات مكتب الإرشاد التى تمت فى شهر ديسمبر من عام 2009 عرفت أسباب هذا الخلاف المصطنع.
كنا فى شهر يناير من عام 2010 وكان معرض القاهرة الدولى للكتاب على وشك أن يعلن عن فاعلياته، وحدث أن تواصل معى الباحث الإسلامى المدقق حسام تمام رحمه الله، كانت الصداقة قد جمعتنا قبل هذا التاريخ بعدة سنوات حينما كان حسام يسكن بالقاهرة قريبا منى فى عمارات «عثمان» بشارع مصطفى النحاس بمدينة نصر، ثم عاد إلى محافظته الإسكندرية التى نشأ فيها وهو أصلا من صعيد مصر، وكان حسام من الباحثين أصحاب «النظر والفراسة»، لذلك أصبح محط تقدير من الوسط الصحفى والثقافى والإسلامى فى مصر والوطن العربى، خصوصا أنه كان قد سافر إلى عدة دول عربية، حيث درس فيها واقع الحركات الإسلامية، وكان من الدول التى سافر إليها المغرب وغيرها، ولتعمقه فى هذا المجال أنشأ مع آخرين من دول عربية متفرقة موقعا على شبكة الإنترنت متخصصا فى مجال الحركات الإسلامية فى العالم كله، والحق أن الحوارات التى دارت بيننا من قبل كانت متعلقة بتأثر شباب الإخوان بالتيار السلفى، وكان تمام على علاقة وثيقة برموز الحركة السلفية فى مصر وقد أتاح لهم الفرصة فى التعبير عن أنفسهم فى موقع «إسلام أون لاين»، الذى كان يترأس أحد أقسامه، ثم بعد أن شجر الخلاف بين العاملين فى هذا الموقع وإدارته أنشأ حسام موقعا اسمه «أون إسلام» كان منبرا لكثير من الناشطين فى مجال الحركات الإسلامية.
قبل أن يبدأ معرض الكتاب فى هذا العام جاء حسام تمام من محافظته الإسكندرية إلى القاهرة ليرتب مع دار النشر التى تنشر كتبه «دار الشروق» أمر توزيع وبيع كتابه «تحولات الإخوان المسلمين» فى معرض الكتاب، وكعادته عندما يأتى إلى القاهرة اتصل بى حيث حددنا موعدا للمقابلة فى مكتبى، أخذنا الحديث فى مناح مختلفة وكان من الموضوعات التى طرحناها أن نشترك معا فى إصدار كتاب عن قضايا الإخوان المسلمين، تحليلا لها وتوثيقا لأحداثها، كان أمر قضايا الإخوان وتوثيقها هو المشروع الفكرى والتاريخى الذى أراد حسام تمام إتمامه، وكان مما تحدثنا فيه أننا نحتاج إلى إعادة قراءة هذه القضايا مرة أخرى، خصوصا أن الإخوان عندما كتبوا عنها كانت أفكارهم غير محايدة على الإطلاق.
كانت القضة الأولى التى رأينا أن نكتب عنها هى قضية «اغتيال حسن البنا»، حيث كانت أوراق هذه القضية بالكامل عندى، وكانت الشكوك التى تحدثنا فيها تدور حول ضلوع النظام الخاص فى قتل حسن البنا، خصوصا أن حسن البنا نفسه وفقا لشهادة الوزير مصطفى مرعى الذى كان ممثلا للحكومة فى التفاوض مع البنا فى يناير 1949، أبدى لمرعى تخوفه من أن يقوم النظام الخاص باغتياله.
وقبل أن ينتهى الحوار بيننا سألنى حسام عن الخلاف الذى كان قد نشب بين الإخوان بسبب الشيعة: هل لديك تحليل لهذا الخلاف، فأنبأته أنه خلاف محير، خصوصا أن يوسف ندا من أعمدة الإخوان القديمة ومحمود غزلان هو المتحدث الإعلامى، وقطعا فإن غزلان يعرف خطوات التقريب التى كان يقوم بها البنا مع الشيعة، ولذلك فإن هذا الخلاف يبدو محيرا نوعا ما.
قال حسام: ليس محيرا، الخلاف ينبئ عن طبيعته.
استفهمته: كيف؟
حسام: أنا لديىّ معلومات مؤكدة عن تقارب بين الإخوان والسلفيين، جلس أحد القيادات الكبيرة من الإخوان مع ياسر برهامى القيادى الكبير فى الحركة السلفية بالإسكندرية، وتحدثا عن كيفية التقارب بينهما كحركتين كبريين، وكان جواب برهامى أن الحركة السلفية تأخذ على الإخوان عدة أشياء منها موقفها المتقارب مع الشيعة، والأمر الثانى هو وجود بعض شخصيات إخوانية فى موقع القيادة مثل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب الإرشاد والدكتور محمد حبيب نائب المرشد، وهذه الشخصيات لديها أفكار متساهلة تخالف الشريعة مثل رأيهم عن التقارب مع الشيعة، ورأيهم فى جواز ولاية الأقباط والمرأة، فى هذه الجلسة التى تمت منذ عام تقريبا أبدى القيادى الإخوانى وعدا بتصحيح موقف الإخوان من هذين الأمرين، لذلك افتعل الإخوان مشكلة الشيعة لتكون تصريحات غزلان بلسما شافيا على قلوب السلفيين، ومن بعدها كتب جمعة أمين عضو مكتب الإرشاد عن مدينة الإسكندرية مقالا حدد فيه موقف الإخوان من الشيعة، كان حريصا فيه على إدانة أفكار الشيعة العقائدية، وأخيرا كما تعلم تم إسقاط أبو الفتوح وحبيب والإطاحة بهما من عضوية مكتب الإرشاد، هل تعلم ما حدث بعدها؟ أدلى عبد المنعم الشحات القطب السلفى فى الإسكندرية بتصريح لبعض المواقع الإسلامية بأن جماعة الإخوان بخروج أبو الفتوح وحبيب اقتربت من الدعوة السلفية!
قلت: قرأت هذا التصريح، والصورة عندى كانت قريبة مما تقول إلا أننى كانت تنقصنى المعلومات.
انتهى حوارى مع حسام تمام رحمه الله واتضحت الصورة الكاملة، الخلاف بين الإخوان حول الشيعة لم يكن خلافا حقيقيا ولكنه كان وسيلة إخوانية «لجر رجل» الحركة السلفية فى مصر كى تتفق سياسيا مع الإخوان، الإخوان لا يزالون على رأيهم بخصوص الشيعة والتقريب معهم، ولكن للسياسة ضرورات.
اقرأ فى الحلقة القادمة «الخميس».. لماذا اعتبر الشيعة «الإخوان المسلمين» فرعاً من فروعهم؟
المصدر التحرير

الخميس، 30 مايو 2013

ثروت الخرباوى يكشف العمامة والطربوش«8».. أئمة الشر.. الإخوان والشيعة




تقى الله القمى.. العلامة الفارقة فى تاريخ العلاقة بين حسن البنا والشيعة
كان الشيخ محمد تقى القـُمّى علامةً فارقةً فى تاريخ العلاقة بين حسن البنا والشيعة، ولمحمد تقى القمى قصة تقود إلى عالم سرى لم يتطرق إليه الإخوان إلا نادرا، ما قصة محمد تقى القمى؟ وما علاقته بالبنا؟
ولد محمد تقى الدين القمى فى طهران عام ١٩٠٨ لعائلة شيعية ثرية، وكانت عائلته ذات باع طويل فى المذهب الشيعى، حتى إن سلسلة أجداده لسابع جد كانت ذات مكانة دينية كبيرة بين الشيعة، وكان والده «حجة الإسلام» وهو أعلى لقب دينى وقتها أقام أحمد القمى كبير القضاة الشرعيين بطهران، فكان أن نشأ الابن محمد تنشئة دينية ونهل المذهب الشيعى من المنبع، ويكبر الصبى ويصل إلى مدارج الشباب ويقرر أن يدرس اللغة العربية وآدابها وكأنه كان يصوب نظره نحو مستقبل يبتغيه، وبرع الشاب الصغير فى علوم اللغة العربية فى فترة قصيرة، وفى ذات الوقت ظل يواصل دراسته الدينية على يد بعض علماء الشيعة الكبار حتى استقام عوده وأصبح صاحب منهج وهدف، وعندما اقترب عمره من الثلاثين قرر أن يخرج من إيران ويجوب العالم فى رحلة شبيهة برحلات «جليفر» الأسطورية، فكانت رحلة «القمى فى بلاد أهل السنة»، تلك الرحلة التى قضى فيها الجزء الأكبر من حياته.
ترك القمى إيران عام ١٩٣٧م، وبدأ رحلته الطويلة التى سماها رحلة التقريب بين السنة والشيعة! هل من الممكن أن يحدث هذا؟ هل من الممكن أن يلتقى الشتيتان، بعد أن ظنا كل الظن أن لا تلاقيا؟! وهل كان التقريب هو هدف القمى أم كانت له أهداف أخرى؟ فكرة التقريب هذه قد تبدو خلابة آسرة مبهرة، فما أعظم أن تتوحد الأمة، لكن كيف ستتوحد؟ أسيتخلى أهل السنة عن عقيدتهم الراسخة، ويندمجون فى المذهب الشيعى؟ أم سيحدث العكس ويتخلى الشيعة عن تشيعهم وعن نظرتهم التكفيرية لكبار الصحابة؟ هل سيعيد الشيعة الاعتبار إلى السيدة عائشة رضى الله عنها؟ هل سيصبح الإمام الغائب محمد بن الحسن المهدى أسطورة من أساطيرهم أم سيظل عقيدة راسخة رسوخ الجبال؟ هل الفروقات الضخمة بين العقيدتين ستصير إلى زوال؟ أم أن هذا التفرق هو من أقدار الله لهذه الأمة لذلك قال سبحانه فى الكتاب الكريم (ولا يزالون مختلفين)، ثم قال (ولذلك خلقهم) ولذلك أيضا قال الرسول صلى الله عليه وسلم (ستفترق أمتى على ثلاث وسبعين شعبة).
حط القمى رحاله فى العراق ثم لبنان، وفيهما تشاور مع علماء الشيعة، وأبدى لهم رغبته فى تقريب أهل السنة للشيعة، والغريب أن علماء الشيعة الذين تحدث معه القمى وافقوه على رغبته، وكأن هذا الأمر متفق عليه من قبل، وكأنه خطوة مرسومة، ظاهرها هو تجميع الأمة تحت راية واحدة، لكن باطنها هو تمييع عقيدة أهل السنة! أو بالأحرى كانت بوابة التقريب هى البوابة التى راهن الشيعة عليها فى نشر المذهب الشيعى فى مصر، بحسب أن أهل مصر يضعون آل البيت فى منزلة كبيرة، لذلك كانت مصر هى المحطة الثالثة للشيخ محمد القمى، وضع القمى نصب عينيه أن مصر هى قلب العالم الإسلامى، وفيها الأزهر الشريف الذى كان فى بدايته مركزًا شيعيًّا فاطميًّا، ولعلنا نتذكر دخول الرئيس الإيرانى أحمدى نجاد إلى الأزهر الشريف فى أثناء زيارته مصر فى فبراير عام 2013، وقتها رفع نجاد إصبعيه علامة النصر، وكأنه غازٍ، جاء يعيد مجد أجداده الفاطميين بما يذكرنا بمقولة الجنرال الفرنسى «هنرى جورو» الذى دخل إلى دمشق غازيًّا بعد معركة ميسلون فتوجه إلى قبر صلاح الدين الأيوبى ووقف على القبر متشفيًّا حاقدًا، وظهر حقده فى عبارته الشهيرة التى قالها وقتئذ: (ها قد عدنا يا صلاح الدين).
كان الأزهر هو المستهدف الأول للشيخ محمد القمى، فمن خلاله قد يستطيع الشيعة نشر المذهب الشيعى فى مصر، مستغلين فى ذلك حب المصريين وشغفهم بآل البيت وأضرحتهم، ورد فى بال القمى وقتئذ أن الأزهر كان هو المهبط الذى هبط عليه رجل الدين الشيعى «جمال الدين الأسد آبادى الشهير بجمال الدين الأفغانى» فى أثناء تجواله فى بلاد أهل السنة، ومن خلاله تعرف على الشيخ محمد عبده وعلى كثير من علماء الأزهر الكبار، ومن خلال الأزهر قد يستطيع القمى التغلغل وسط أهل السنة وإقناعهم بالتعبد لله وفقا لمذاهب الشيعة!
وإذ وصل القمى إلى مصر توجه أول ما توجه إلى حسن البنا الذى استقبله وأحسن وفادته، ثم استطاع بعد أيام قليلة عن طريق البنا الاجتماع بشيخ الأزهر الشيخ مصطفى المراغى، عرض القمى على المراغى فكرة أن تجتمع الأمة تحت راية واحدة، وأن ننسى خلافاتنا العقائدية، فاستقبل المراغى هذه الفكرة قبولًا حسنًا، ووقع فى خاطره أن أهل الشيعة من الممكن أن ينتقلوا من تشيعهم إلى «التسنن»، فكان أن مد له يد المساعدة وهيّأ له فرصة الاتصال بعلماء السنة الكبار كالشيخ عبد المجيد سليم، كانت الفرصة سانحة فطلب القمى من شيخ الأزهر إتاحة الفرصة له للتدريس فى الأزهر كوسيلة من وسائل التمازج النفسى والمشاعرى والفكرى، فوافق المراغى وأصبح القمى محاضرا فى الأزهر للفلسفة الإسلامية! وحين اشتعلت الحرب العالمية الثانية عاد القمى إلى إيران حيث ظل فيها سنوات قليلة، وفيها تقابل مع أكبر رجل دين شيعى، هو «آية الله العظمى الإمام البروجردى»، وفى هذا اللقاء تلقى القمى دعمًا معنويًّا كبيرًا من إمامه الشيعى الكبير، إذ كانت الفكرة التى اختمرت فى ذهن رجل الدين الكبير، هو أنه من خلال فكرة التقريب هذه سينجح الشيعة فى «تشييع أهل السنة»، وكما يقولون فى المثل «كل يغنى على ليلاه».
وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عاد القمى إلى مصر ليستكمل رحلته التى ظاهرها «التقريب» وباطنها «التشييع»، والتقى القمى بعد عودته أول ما التقى بصديقه الحميم حسن البنا، وكان البنا عند حسن ظن القمى به فقد جعل من إحدى حجرات المقر سكنًا ومقرًا له، أسر القمى للبنا بسر عودته ومشروعه الذى يسير فيه، فبارك البنا له ما فكر فيه: «نعم الرأى ما رأيت يا قمى».
ومع عدد من علماء السنة كانت لقاءات وحوارات، وفى غضون شهر فبراير من عام 1947 قام القمى بتأسيس «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية»، ونجح الرجل الدؤوب فى ضم عدد لا يستهان به من أصحاب القامات العلمية السنية الكبيرة إلى جمعيته هذه، كان منهم الشيخ محمود شلتوت الذى أصبح شيخًا للأزهر فى ما بعد، والشيخ مصطفى عبد الرازق، والشيخ عبد العزيز عيسى، ووسط هذا الجمع كان حسن البنا المرشد الأول للجماعة، لا شك أنها كانت صداقة وطيدة تلك التى جمعت بين هذين الرجلين حتى إن تاريخ جماعة الإخوان كان ولا يزال يشيد بهذه الصداقة ويعتبرها من فتوحات البنا.
فتحت دار التقريب أبوابها فضمت لاستكمال الشكل العالم الشيعى الكبير الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، والعالم الشيعى العراقى الكبير «السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوى» وغيرهم، وبعد إشهار الجمعية صار الشيخ محمد القمى سكرتيرها العام ومؤسسها الأول وفقا لما ورد فى المادة السادسة من النظام الأساسى للجمعية، وكان من نشاط جمعية القمى هذه إصدار مجلة أطلقوا عليها اسم «رسالة الإسلام»، وظلت هذه المجلة تصدر ردحًا من الزمن اقترب من عقد ونصف العقد، وفى أعداد هذه المجلة تم نشر الفتوى الشهيرة للشيخ محمود شلتوت، التى كانت مفاجأة كبرى لأهل السنة، أصدر الشيخ شلتوت فتواه فى إبريل ١٩٦٠، وذهب فيها إلى جواز التعبد على المذاهب الإسلامية، ومنها مذهب الشيعة الأمامية (الإثنا عشرية).
وبذلك نجح القمى فى استخلاص فتوى من أكبر قامة علمية سنية بجواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية الإثنى عشرية، فى الوقت الذى لم يبح فيه أى عالم من الشيعة للشيعة بجواز التعبد لله بأى مذهب من مذاهب أهل السنة، ويبدو أن تأثر الشيخ شلتوت، رحمه الله، بفكرة التقريب هو الذى دعاه إلى إصدار هذه الفتوى، إذ قال فى أحد أعداد مجلة التقريب (وكنت أود لو كتب قصة التقريب أحد غير أخى الإمام المصلح محمد تقى القمى ليستطيع أن يتحدث عن ذلك العالم المجاهد الذى لا يتحدث عن نفسه ولا عما لاقاه فى سبيل دعوته، وهو أول من دعا إلى هذه الدعوة وهاجر من أجلها إلى هذا البلد، بلد الأزهر الشريف، فعاش معها وإلى جوارها منذ غرسها بذرة مرجوة على بركة الله، وظل يتعهد بالسقى والرعاية بما أتاه الله من عبقرية وإخلاص وعلم غزير وشخصية قوية وصبر على الغير وثبات على صروف الدهر حتى رآها شجرة سامقة الأصول باسقة الفروع تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ويستظل بظلها أئمة وعلماء ومفكرون فى هذا البلد وفى غيره).
علاقة القمى بالمرشد الأول حسن البنا كانت ظاهرة أمام العيان غير خفية ولا خافية على أحد، ذكرها الأستاذ محمود عبد الحليم المؤرخ الأول للإخوان فى كتابه (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ الجزء الأول)، وقال عنها المرشد الثالث الأستاذ عمر التلمسانى «كان البنا حريصًا على توحيد كلمة المسلمين، وكان يرمى إلى مؤتمر يجمع الفرق الإسلامية لعل الله يهديهم إلى الإجماع على أمر يحول بينهم وبين تكفير بعضهم، خاصة وأن قرآننا واحد وديننا واحد ورسولنا صلى الله عليه وسلم واحد، وإلهنا واحد، ولقد استضاف لهذا الغرض محمد القمى أحد كبار علماء الشيعة وزعمائهم فى المركز العام فترة ليست بالقصيرة»، ولعلى لم أجد أحدًا يخالف هذه الحقيقة، كما أنه من المعروف أن البنا قد قابل المرجع الشيعى آية الله الكاشانى فى أثناء الحج عام 1948، وحدث بينهما تفاهم.
وبعد أكثر من أربعين عامًا من مقتل حسن البنا وتحديدا فى غضون عام 1990، وقعت حادثة سير أليمة فى باريس توفى بسببها الشيخ الغامض «محمد القـُمى»، وتم نقل جثمانه إلى طهران حيث دفن هناك.
■ ■ ■
كان كتاب حسن البنا «مذكرات الدعوة والداعية» كاشفًا عن رجل خلط بين نفسه والدعوة، حتى إن الإخوان لا يزالون إلى الآن يتحدثون عن البنا (صاحب الدعوة)، ولدرجة أن الإخوان طبعوا عام 1990 كتيبًا وزعوه على قسم الأشبال بالجماعة عنوانه (حسن البنا مؤسس الدعوة الإسلامية)، وعندما أراد الإخوان أن يهذبوا من هذه العبارة قالوا فى كل أدبياتهم إن حسن البنا مؤسس الحركة الإسلامية، وكأن الله سبحانه أرسل نبينا وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام لينشر الدين الإسلامى، ثم أرسل الإمام المعصوم حسن البنا ليؤسس الحركة الإسلامية!
فى مذكرات الأستاذ محمود عساف كتب يقول (كان البنا يسأل الشخص المرشح سؤالًا: هل إذا حدث انقلاب فى الإخوان، وأبعد حسن البنا هل تظل تعمل فى الجماعة؟) ثم يقول عساف (كان هذا السؤال يلح عليه حيث انشق بعض المعارضين، لم يحس المنشقون بمدى تجسيد الدعوة فى شخص حسن البنا).
فإذا قرأنا تراث حسن البنا نجد أنه كان حريصًا أشد ما يكون الحرص على تجميع الأمة تحت راية واحدة، وحسنا هى تلك الفكرة، لكنه كان لا يرى إلا رايته هو، ولا يرى إلا نفسه هو، هو الذى يجب أن تجتمع الأمة خلفه ليكون قائدها الربانى، وليس هناك من سبيل إلا ذلك إلا الجمع بين الشيعة والسنة فى إناء واحد، حتى ولو أدى الأمر إلى التمييع والتنازل، فالعقيدة نفسها لا تهم، والولاء ليس له وجود إلا الولاء إلى المرشد، لم يدرك البنا أن رغبته الجارفة فى أن يكون مرشد هذه الأمة لا تتحقق بالتمييع والتنازل عن ثوابت الأمة، لكن رغبته الجارفة فى إمامة الأمة كلها جعلته ينظر إلى الموضوع نظرة سياسية لا عقائدية، أو بالأحرى نظرة ذاتية، لذلك كان يبغض الأحزاب كلها، ويقف ضدها، وكان أيضا يكره أن تنقسم الأمة إلى شيعة وسنة، هو يريد أن تكون أمة واحدة ليتسيد هو على الجميع ويكون إمامًا للكل.
تجد حسن البنا يقول فى رسائله كلامًا طيبًا فى ظاهره إلا أنك إذا تمليته وسبرت غوره وأنزلته إلى حياة البنا وتوجهاته ستجد معنى يختلف عن المعنى الظاهر، بل ستجد غموضًا وتقية، فهو يقول فى رسالة دعوتنا (اعلم فقهك الله أولا: إن دعوة الإخوان المسلمين دعوة عامة لا تنتسب إلى طائفة خاصة، ولا تنحاز إلى رأى عرف عند الناس بلون خاص ومستلزمات وتوابع خاصة، وهى تتوجه إلى صميم الدين ولبه، وتود أن تتوحد وجهة الأنظار والهمم حتى يكون العمل أجدى والإنتاج أعظم وأكبر، فدعوة الإخوان دعوة بيضاء نقية غير ملونة بلون، وهى مع الحق أينما كان، تحب الإجماع، وتكره الشذوذ، وإن أعظم ما منى به المسلمون الفرقة والخلاف، وأساس ما انتصروا به الحب والوحدة.
والمعنى البادى هنا أن جماعة الإخوان ليست جماعة لأهل السنة، ولا لطوائف الشيعة، كما أنها ليست للخوارج، أو المعتزلة، أو الأشاعرة، أو الجهمية، هكذا هو يقول، لكنها (لا تنتسب إلى طائفة خاصة)، كما أنها وفقًا للبنا فى رسالته (لا تنحاز إلى رأى عرف عند الناس بلون خاص ومستلزمات وتوابع خاصة)! ثم يقول (دعوة الإخوان بيضاء نقية غير ملونة بلون).
هل فهمت شيئا من هذا الكلام، وهل يؤدى إلى معنى واضح، وما تلك الكلمات الغامضة التى يقول فيها (رأى عرف عند الناس بلون خاص ومستلزمات وتوابع خاصة)!
ولعلك تلحظ «التقية» فى كلماته هذه، فقد وضعها بطريقة نفهمها على أكثر من نحو، فهو يكاد يقول إن جماعة الإخوان ليست جماعة سنية، ولا شيعية، لكنها تجمع بين هذا وذاك.
وتكملة للتقية فى رسائل البنا نجده يقول رسالته هذه تحت عنوان «نعتذر لمخالفينا»... (.... ثم أمر آخر جدير بالنظر.. إن الناس كانوا إذا اختلفوا رجعوا إلى الخليفة وشرطه الإمامة فيقضى بينهم، أما الآن فأين الخليفة؟).
والكلام عن «الخليفة وشرطه الإمامة» يدخلنا فى الطائفة الشيعية من أوسع أبوابها، إذ عندهم فارق كبير بين الخليفة والإمام، ففى دراسة أعدها «مركز الأبحاث العقائدية»، وهو أحد المراكز الشيعية الكبيرة تحت عنوان «الخليفة والإمام».
ذكروا فى تعريف الخلافة أنها: الرئاسة العامة فى التصدى لإقامة الدين بإحياء العلوم الدينية وإقامة أركان الإسلام، والقيام بالجهاد وما يتعلق به من ترتيب الجيوش والفرض للمقاتلة وإعطائهم من الفيئ، والقيام بالقضاء وإقامة الحدود ورفع المظالم والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، نيابة عن النبى «صلى الله عليه وآله وسلم» وهى لا تكون إلا بنص النبى «صلى الله عليه وآله» وما زعموه من أنه: لا يصلح أن يقال إن الله يستخلف أحدا عنه، ممنوعة، لتصريح أئمة السنة بكون داود «عليه السلام» خليفة الله، وأنه قد وصف بهذا فى القرآن العظيم، وإنما انحرفوا عن هذا المعنى تصحيحًا لخلافة الثلاثة، وتوسلوا فى سبيل إثبات صحة خلافاتهم بالشورى حتى عدّوا الخلافة جزءا منها، ورغم أن مصطلح الخلافة ظاهرا فى معنى الإيصاء وتنصيب النائب عن منوبة، إذ يفترض وجود مستخلف، وأنه مريد لتعيين من يخلفه، لأن ذلك من شؤونه لا من شأن غيره، ولو لم يكن هذا المعنى لازمًا لمفهوم الخليفة لما ترك الخليفة الأول والخليفة الثانى الأمة دون أن ينصبوا رئيسًا لها وإن كان هذا التنصيب بأشكال مختلفة، فتحصل من كل ذلك أن الخلافة لا تصح إلا بأن ينص السابق على لاحقه، وأنها من شؤون الدين لا من شؤون الناس، أما الإمامة فهى الخلافة الإلهية التى تكون متممة لوظائف النبى «صلى الله عليه وآله» وإدامتها عدا الوحى، فكل وظيفة من وظائف الرسول من هداية البشر وإرشادهم وسوقهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة فى الدارين وتدبير شؤونهم وإقامة العدل ورفع الظلم والعدوان وحفظ الشرع وبيان الكتاب ورفع الاختلاف وتزكية الناس وتربيتهم، وغير ذلك كلها ثابتة للإمام، فما أوجب إدراج النبوة فى أصول الدين هو بعينه الذى أوجب إدراج الإمامة بالمعنى المذكور فيها، ويشهد لكون الإمامة من أصول الدين أن منزلة الإمام كمنزلة النبى فى حفظ الشرع ووجوب اتباعه والحاجة إليه ورياسته العامة بلا فرق، وقد وافق على أنها من أصول الدين جماعة من مخالفى الإمامية كالقاضى البيضاوى، فالإمامة ليست مجرد زعامة اجتماعية وسياسية، فلو كانت كذلك لكان الإنصاف أنها من فروع الدين كسائر الواجبات الشرعية من الصوم والصلاة وغيرهما، لكن الشيعة لا يكتفون بمجرد هذا المعنى، بل هى عندهم لطف إلهى كالنبوة، فتكون أصلًا لا فرعًا).
المستفاد من رسائل حسن البنا أنه أراد أن يزيل الفوارق بين العقائد، ولذلك أطلق مقولة أستاذه رشيد رضا فى هذا المضمار فقال (فلنعمل فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا البعض فيما اختلفنا فيه)، هو يريد من جماعته أن تجمع الكل فى إناء واحد، ويكون هو المهيمن على الإناء وحده، ألم يقل من قبل لسكرتيره محمود عساف إن الإيمان لديك بدعوة الإخوان لا يكتمل إلا إذا آمنت بصاحب هذه الدعوة حسن البنا.
هكذا كان ينظر حسن البنا إلى نفسه، وهكذا كان أتباعه ينظرون إليه، هو الإمام المعصوم الذى لا يأتيه الباطل أبدا، لذلك عندما وقع الشيخ محمد القمى تحت يد البنا وجده لقمة سائغة لتحقيق هدفه فى تجميع الأمة كلها تحت راية الإخوان المسلمين، ولا نستطيع فى الحقيقة معرفة من الذى التهم من؟! خاصة أن حسن البنا هو الذى قام بتوصيل القمى للشيخ محمود شلتوت قبل أن يصبح شيخًا للأزهر، وهو الذى استطاع التأثير عليه من الناحية العاطفية تحت لافتة أن شلتوت من الممكن أن يجمع طائفة الشيعة مع السنة بحيث يدخلهم إلى التسنن، ومن أجل هذا كان الشيخ شلتوت، رحمه الله، فى معية دار التقريب، ومن أجل هذا أيضا أصدر فتواه الشهيرة بجواز التعبد لله على عقيدة الإمامية الإثنى عشرية!

اقرأ فى الحلقة القادمة «الأحد».. كيف انضم الشيعة إلى الإخوان فى عصر حسن البنا؟